مراهقة كيداهم

سحَّارة السرير

كل بنات الدنيا تحلم فى بادئ حياتها بالحب وفارسها الجميل وتشعر بالحب تجاه أى كلمة رقيقة أو نظرة حلوة تختصها هى دون غيرها وتعيش فى بحر الأحلام ، ثم تبدأ مرحلة الشباب وكل من حولها يدفعها إلى التفكير فى الفستان الأبيض والزواج والأولاد،  فكل من يراها تكبر أمامه يكون تعليقه \”يا رب نشوفك عروسة\” وكأن الزواج هو الهدف من حياتها ووجودها، ومن هنا تبدأ حلقة البحث عن عريس.

هكذا كانت حياتى أنا، فنحن خمس أخوات بنات، من أسرة محترمة ومقتدرة الحال، حياتنا عادية كجميع الأسر المصرية، تزوجت اثنتان من أخوتى البنات حتى قبل أن يكملن تعليمهن الجامعى، وأنا وبقية أخوتى أكملنا تعليمنا الجامعى وتخرجت من الجامعة الأمريكية، وبدأت حياتى العملية فى أحدى الشركات الأجنبية، تقدم لى كثير من العرسان لطلب يدى، لكن جميع المواضيع تفشل وبلا أسباب ومنهم من يخرج ولا يعود ودون إبداء أى مبرر، ونفس الشىء يحدث مع أخوتى وبنفس الطريقة حتى ظنت أمى وجدتى أن هناك من عمل لنا عملاً، ومع تقدم عمرنا أصبح لديهن يقين بذلك بمن فيهم أختاى اللتان أصيبتا باكتئاب من هذا التفكير.

أما أنا فقد أغمضت عينىَّ عن كل هذا وكنت أفكر فى عملى وكيف أنجح فيه وكيف أكون شخصية مستقلة، فالحياة بالنسبة لى ليست زواجا فقط، بل هناك جوانب كثيرة تستحق السعى إليها وليس معنى هذا أنى غير راغبة، لكن لا أسعى، أنا أستطيع أن أعول نفسى ولدىَّ عمل محترم، أريد رجلاً أحبه، أريد شريك حياة جميلة يعمل من أجلى ما لا أطلبه، أريد شريك روح وجسد، فأنا أستحق ذلك.. نعم هذا اعتقادى فى نفسى، ولذلك كنت شديدة الاهتمام بنفسى وبملابسى، مما أعطانى كثيراً من الحيوية والثقة فى النفس، عكس أخوتى بعد بلوغهن الثلاثين أصبح كل تفكيرهن فى أن جميع بنات العائلة تزوجن ونحن لا، كنت أتحدث معهن كثيراً وأقترح عليهن أماكن نستطيع أن نسافر إليها ونستمتع بوقتنا ونبتعد عن التفكير والنظر إلى الناس وفى النهاية كل شىء نصيب.

وتمضى الحياة وعند وجود أى مبلغ من المال معى كنت أنزل لشراء أشياء لبيتى المستقبلى وأحتفظ بها فى سحارة سرير نومى، فى بادئ الأمر لم يعلق أحد لكن مع مرور السنين كانوا ينظرون إلىَّ بتعجب، فما أسرع السنين، وفجأة وجدت نفسى على مشارف الخمسين وأنا ما زلت أشترى وأضع فى سحارة السرير، لكنها امتلأت فأصبحت أبحث عن مكان آخر أضع فيه، وهكذا بدأت أضع الأشياء عند أمى التى صمتت عن الكلام المباح، وأرى فى عينيها \”ضاع العمر خلاص\”.

وجاءت لى فرصة للسفر عن طريق العمل لمدة شهر إلى إحدى الدول الأوروبية، وذهبت لموعدى مع الحياة، قابلته وهو يعمل فى نفس المكان الذى كنت ذاهبة لقضاء عمل فيه لمدة شهر، ليس مصرى الجنسية وكان قد أسلم منذ ثمانى سنوات وكل سنة يسافر إلى مصر للبحث عن عروس فهو يريد أن يتزوج من أصل فرعونى، ويعود دون أن يجد ما يريد، هو أكبر منى فى العمر بـ7 سنوات، تزوج وماتت زوجته منذ عشر سنوات ولم ينجب، وكأننا تلاقينا من سنين، فالكلام بيننا لا يتوقف وشعرت بارتياح كبير بينى وبينه، فهو إنسان هادئ الطبع.. دقيق الملامح يسمع أكثر مما يتكلم، لكن حين يتكلم يجبرك على سماعه، لصوته الهادئ النبرة، ومن أكثر الأشياء التى أعجبتنى فيه أنه يعشق التفاصيل ويحب القراءة، لكنه يحب الوضوح بجنون، واتفق معى على أن يأتى بعدى إلى القاهرة ليطلب يدى للزواج، وجاء معى إلى المطار ليودَّعنى وعدت وأنا لأول مرة فى حياتى أخشى ألا أراه أو ألا يأتى كما وعدنى.

لا أدرى لماذا لم أحدث أحداً عنه بعد عودتى ربما خوف أو عدم رغبة فى إعطاء أمل قد لا يحدث، لكنه كان دائم الاتصال بى وكان يرتب أمور عمله حتى يستطيع الحضور، وبعد مرور شهر جاء إلى أمى ليطلب يدى منها.

كنت أظن أن أمى ستوافق فى الحال، لكنها صدمت الجميع برفضها له، لأنه ليس مصرياً، فأخذت أمى تماطل فى موافقتها لمدة عامين كاملين، فقد انتقلت من الحديث عن الجنسية إلى طلبات أخرى وكان أولها أن يكتب الشقة باسمى ووافق ثم انتقلت إلى طلب مؤخر كبير، وكان طويل البال مع أمى ويعطى لها الأعذار وأولها سنها الكبير وخوفها علىَّ.

وتزوجت وأنا عمرى 52 سنة ممن أحبه عقلى قبل قلبى، وأخيراً فتحت سحارة سريرى وأخرجت منها الأشياء التى ظللت أشتريها لسنوات طويلة لأستخدمها فى بيتى الجديد، وأضحك مع أخوتى وأقول لهن: \”مش الكاسات دى كنتوا عايزين تدوها لمنى بنت خالتكم فى فرحها؟!\”.

ووجدت معه سعادتى وعرفت كم أنا أستحق ألا أعاشر أقل منه ولو ليوم، انتظرته كثيرا لكنه جاء، وأحيانا أسأل نفسى: \”ماذا لو لم تقابليه؟\”.

وأجابتنى نفسى مسرعة: \”أنا لا أستحق أقل منه أبدا فلو لم يأت فالوحدة أفضل بكثير\” فأنتِ كما تنظرين إلى نفسك وأنتِ كما تقيمينها والقيمة ليست دائماً فى الزواج، لكنها فيمن ستتزوجين، فأنتِ تستحقين.

loading...

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق