أنا وهو وزوجى!

أتذكر أول يوم رأيت فيه \”ياسر\”، كنت فى شرفة منزل بيتنا، وكنت ما زلت فى المرحلة الثانوية، ووجدته ينظر نحوى، فارتبكت، لكن بعد ذلك أصبحت أنظر من شرفتنا كى أراه..

لم يكن وسيمًا لكنْ عيناه كانتا مفعمتين بالحياة، ونظراته بها حب، وإن كان فيها حياء أيضاً، وتقاطيع وجهه تدل على نبل أصله.

ظلّ ما بيننا نظرات ومواعيد ثابتة، نلتقى فيها من خلال نظراتنا من شرفات منازلنا، لمدة عام كامل، وعرفت بحكم الجيرة أنه التحق بكلية عسكرية، فتغيب فترة، وعند عودته كنت أنظر من الشرفة وقلبى ينبض، عندما رأيته قادماً مرتديًا ثيابه العسكرية وينظر إلى شرفتى مبتسمًا، ويومها بدأت قصتنا.

قصة حبنا كانت رقيقة، نلتمس وقتاً قصيراً لنتكلم سويًا، وأنتظر أن نعبر الطريق ليمسك بيدى، وأتلهف على مواعيد إجازته حتى أراه، كان يأتى لى فى جامعتى، وأصدقائى جميعًا يعرفون قصتنا.

ياسر كان رجلًا بمعنى الكلمة، لم أطلب منه شيئاً، لكنه قالها دون طلب أنه بمجرد تخرّجه سيأتى لخطبتى، وكانت أمى وأمه على دراية كاملة بقصة حبنا، ورحبوا بها. كان باقياً على تخرجه أيام قليلة، ثم جاءت الكارثة، صدمته سيارة ودخل المستشفى لمدة شهرين، وكلى أمل أن ينجو، فياسر هو أول من نبض له قلبى، وحلمنا كثيراً بحياتنا معًا وبأولادنا وأسمائهم. كان كل هذا يدور فى عقلى وأنا أتأمله مسجى أمامى، وأنا أبكى، لكن جاء أمر الله، وما باليد حيلة، ذهب حبيبى دون أن يعيش دنياه.

الحياة لا تقف على رحيل أحد، مهما كانت درجة حزننا وعدم تقبلنا للواقع فى البداية، فنحن نستسلم ونسير. أكملت دراستى وتخرجت من الجامعة، وأنا على اتصال دائم وزيارات لوالدة ياسر، كنت أذهب معها لزيارته، وفى كل مرة تتجدد أحزانى عليه.

بطبيعة الحال، كان يتقدم لى كثير من المعارف للزواج، لكنى كنت غير مؤهلة نفسيًا، إلى أن تقدم \”أحمد\”، زميل فى العمل، وتربطنا به علاقية عائلية، ولأول مرة تقف أمى فى وجهى، وتقنعنى بضرورة التفكير. وبعد عدة مقابلات، وافقت، بعد أن ذهبت لوالدة ياسر وبكيت بين يديها، وهى أيضًا بكت، لكنها باركت لى، وأقنعتنى أن الحياة لا بدَّ أن تسير، والأجمل أنها جاءت إلى بيتى بعد زواجى، لتبارك لى، وأحضرت معها هدية جميلة.

\”أحمد\” كان يعرف كل شىء عن علاقتى بياسر، ولم يكن يتحدث معى عنها، وعندما تزوجته، لم أكن أكنّ له الحب، لكنى كنت أحترمه وأقدّره، فقد أصبحت عاجزة عن أن أحب مرة أخرى.

من اليوم الأول لزواجنا ومن تصرفاته معى أدركت أنه إنسان يتحلى بالأخلاق والرجولة، ومضت الأيام بيننا، وحملت فى ابنى الكبير، وكان يساعدنى بقدر استطاعته، وفى يوم، ذهبت لزيارة أمى وعرفت من إحدى الجارات أن والدة ياسر مريضة، أحسست برغبة فى زيارتها، لكنى تخوفت من غضب أحمد، فجلست شاردة.

عندما عدنا إلى منزلنا، سألنى أحمد عن سبب صمتى، لم أكذب عليه، وأخبرته أنى أكنّ لهذه السيدة حباً كبيراً، وأعطف عليها بعد أن فقدت ابنها، لا أعلم كيف خرجت منى هذه الكلمات، لكنه سمعها ولم يعلق. فى اليوم التالى، نزلنا لشراء ملابس لطفلنا القادم، وبعد انتهائنا أخذنى إلى بيت والدتى لتفرح، وقال \”تعالى نزور والدة ياسر علشان ده واجب علينا\”.

ذهبنا إليها، وفرحت بقدومنا جدًا، وأخذت تدعو لنا ولابننا القادم، وأخذت تشكو أن ابنها الكبير مريض وأنها تحس بالوحدة من غياب أبنائها عنها، وأنها حتى لا تستطيع الذهاب لزيارة قبر ابنها، فعرض عليها أحمد الذهاب معها لأى مكان، فهو مثل أولادها.

انتهيت من الزيارة، وقد تغيّر حالى تمامًا، ما طاقة الحب هذه التى فتحت فى قلبى تجاه زوجى؟ لقد أحسست بقلبى ينبض من جديد، لأنه إنسان لديه قلب يشعر بأوجاع غيره، وشديد الثقة فى نفسه، هو متصالح مع ذاته، ولديه سلام داخلى يحرّكه مع كل من حوله، فقد سمعت من صديقة لأمى مات زوجها، أن الرجل الذى تزوجته بعدها، كان يغار من زوجها المتوفى، ولا يحب أن يسمع سيرته.

مرت بنا الأيام، وأنجبت ابنى الثانى، وكل يوم أشعر أن حبى واحترامى لزوجى يزيد، ولا أبالغ فى قصتى إذا قلت إنه كان يأخذنى أنا ووالدة ياسر لزيارة مقبرته فى ذكرى وفاته. كانت هذه السيدة مبتلاة، فقد توفى ابنها الثانى، فمرضت، ولم تعش كثيرًا، وحزنت أنا وزوجى عليها للغاية.

مرّت عشر سنوات وأنا وزوجى لا ننقطع عن زيارتهم فى كل ذكرى سنوية لوفاة ياسر.

يتكلم الناس عن الموت، بشكل سلبى، لكنى أرى أنه حتى الموت به طاقة إيجابية، فهو واقع لا مفر منه، لكنه يجعلك تحاسب نفسك وتفهم أنك فى يوم ما، ستقابل ربك، فماذا تقول؟ فتعمل من أجل أن يرضى، ويجعلك تحب الحياة وتريد أن تفعل الكثير، عندما يفارقك شخص غال على قلبك، ربما يغير اتجاه حياتك ويجعلك أفضل دون أن تدرى، وربما يجعلك تنظر إلى الدنيا نظرة أخرى أكثر عمقاً.

الآن مرّ على زواجى 15 عامًا، ارتبطت فيها بزوجى وأولادى، وأحببتهم من كل قلبى، ولم أنس ياسر الذى أشعر أنه لم يعش، وأحيانًا أقول ربما لو عاش وتزوجنا لما كنا قد أكملنا حياتنا معًا، أما زوجى الحبيب، فأشعر أنى خلقت فى الدنيا كى أحبه هو، وهو وحده، فمنه تعلّمت كيف أصالح الحياة، وأصبح هو كل الحياة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.