إلى متى الرحيل؟

ذهبت لزيارة صديقة لى من أيام الجامعة، وبعد أن جلست معها طوال اليوم، على أن يمرّ علىّ زوجى ليأخذنى، لكنه ارتبط باجتماع عمل مفاجئ، فعرضت صديقتى أن يوصلنى السائق بسيارتها إلى المنزل وقد كان.

ركبت مع السائق، وكان الطريق طويلا، وتحدثت معه إذا كان لديه صديق يعمل معى لتوصيل أولادى إلى المدارس، فأخبرنى أنه سورى من حمص، وقصّ علىّ قصّته مع الحياة.

وقال إنه تزوّج وعمره 19 عاما من قريبته، التى كان عمرها 17 عامًا بعد قصة حب يعرفها الأهل والأصدقاء. كان لديه أرض يزرعها فاكهة، رعاها هو وزوجته، والاهتمام بها، فأصبحت جنة مليئة بأشجار الخوخ والبرتقال والكريز، تزيّنها الزهور من كل جانب، ويزداد جمالها يوما بعد يوم.

أنجبوا أربعة أبناء، ثلاثة ذكور وابنة واحدة، وكانوا يذهبون جميعا لجنتهم، فرحين بما آتاهم الله، يتاجر في الفاكهة ويكسب بالحلال، فيرزقه الله من وسع، حتى بنى منزلا من أربعة أدوار، وأسس سوبر ماركت، يعمل فيه إلى جوار أرضه، بمساعدة زوجته.

وسارت الحياة هادئة مبشّرة بكل خير، لكن فجأة انقلب الحال، واستيقظ على مظاهرات بسبب وفاة شاب فى قسم الشرطة، فحزن من أجله، ونزل معهم المظاهرات، لتغيير المحافظ، لكنه فوجئ بوجوه غريبة، أقنعت الناس بالهتاف بما هو أكثر من ذلك، فأصابه الرعب والشك، وتراجع، وذهب إلى بيته، وأغلق الأبواب.

لم يمر على هذا الحدث أكثر من يومين، حتى فوجئ بألفين من المسلحين، يدخلون مدينتهم، لا يعرف من هم، ولا من أين أتوا بالسلاح، وبدأوا يقصفون المدينة الآمنة، ويوم بعد يوم، كان لا بدّ من الرحيل، لينجو بأسرته، ويترك حاله وماله.

ذهب إلى الأردن، ومنها إلى تركيا، ثم إلى مصر، فى تركيا كان لديه صديق ترك عنده ابنه الأكبر الذى كان يبلغ من العمر عشر سنوات، وكان يأمل أن يتبناه أى ناد رياضي، لأنّه موهوب كرويا، وإذا حدث ذلك، يستطيع أن يعولهم، لأن المستقبل أصبح غامضا.

جاء إلى القاهرة، على صديق له مقتدر ماليا، ليرى ماذا يفعل، ولأن الله لا يترك عباده، حصل صديقه على عقد عمل فى الخارج، فترك له ولأسرته شقّته الإيجار، بعد أن دفع له إيجارها مدة طويلة، حتى يتمكّن من الحصول على أى عمل يعول به أسرته.

لكنه فوجئ بصديقة فى تركيا، يقول له أنه لا بدّ أن يحضر ابنه، وإلا سيكون مصيره مستشفى الأمراض العقلية، فهو يريد أسرته، يريد حضن أمه، وغير قادر علي الاستمرار، فكان لا بدّ أن يذهب ليحضره.

الذهاب صعب، والمال قليل، لكن المضطر يصنع المعجزات، ذهب وترك أسرته بقليل من المال، ونجح، لكنه لم يكن يملك ما يعود به، فاضطر للعمل كى يأتى بما يستطيع أن يعود به، فأصبح يخبز الخبز ويبيعه، ويعمل ليل نهار، ليوفّر نقود عودته.

عاد إلى مصر أخيرا، ليواجه الحياة، وبعد أن كان يعمل فى ملكه معززا مكرما، لم يعد يدرى ماذا يفعل، زوجته لم تكن بارعة فى صناعة الحلوى، لكنهم حاولوا، فلم يفلحوا فيها، وبدأت رحلة البحث عن العمل، ووجد من يرحب ويساعد، ومن ينفر ومن يتّهم، ويرى أبواب الحياة كلها مغلقة فى وجهه، لكن زوجته كانت تخفف عنه وتقول له \”لنا رب كبير تفاءل خيرا\”، إلى أن استقر على العمل سائقا، وقابلته مشكلات لإنجاز أوراقه، وكذلك عدم معرفته بالشوارع جيدا، لكن مع الوقت سيتقن عمله.

تنظر فى وجهه، إنه شاب فى الثامنة والثلاثين من عمره، لكن في عينيه نظرة انكسار وحزن، وهو يقص قصّته وحنينه لوطنه يغلبه، خصوصا عندما تذكر أخته فى سوريا، التى أنجبت سبعة أولاد، مات منهم خمسة فى الحرب، وزوجها أيضا!

ويتذكر صديق عمره الذى ترك سوريا لبلد آخر، وكان لديه أربعة أولاد، أخذ معه اثنين، وبعد أن وجد عملا فى الخارج، أرسل ليأخذ زوجته وبقية أولاده، وكان يرغب فى أن يذهب ابنه الأكبر معهم ليخفف عنه، لكن تليفونه كان معطلا، فلم يستطع أن يكلمه، لكن زوجة صديقة وأولادها الاثنان غرقوا فى المركب قبل أن يصلوا له، ويتخيّل حاله لو كان ابنه قد سافر معهم على المركب وغرق!

أخذ السائق يبكى وهو يتحدث معى، ويقول إنه يحمد الله كل يوم أن أولاده وأسرته بخير، يحمد الله وهو لا يجد ما يكفيهم إلا بالكاد، وقد ألحقهم بمدارس حكومية، لكنهم متأخرون لاختلاف المناهج والمكان، وليس معه ما يجعله يعطى لهم دروسا خصوصية، مع ذلك، هو سعيد لعمله مع أسرة مصرية محترمة، يحبونه ويقدّرون ظروفه، حتى إنهم أعطوا له السيارة يوما، كى يمتع أسرته، وذهب بهم إلى حديقة، لمجرّد أنها تذكرهم بجنتهم التى تركوها فى وطنهم. كل يوم يعود من عمله ليفتح الأخبار، ويرى أخبار وطنه، وهل هناك أمل فى العودة.

وتابع: هل تعلمين أن تراب وطنك يكلّمك ويحنو عليكِ، ولن تجدى بديله أبدا، لقد تركت قلبى هناك، وأريد أن أموت وأدفن هناك، تدخلين بيتك وتغلقين الأبواب وتنامين وأنت مطمئنة، هذه نعمة كبيرة لا يشعر بها إلا من ينام وعيونه مفتوحة خوفا من أى آت، تستيقظين لتجدى ما تأكلينه، وتنزلين وفى يدك أولادك ليذهبوا إلى مدارسهم وجامعاتهم، هذه نعمة كبيرة لا يشعر بها إلا من حرم منها، أنزل صباحا فأجد شبابا وشيوخا يملؤون المقاهى، ويتحدّثون، ويلعنون انهم لا يجدون ما يعملون، فأودّ أن أقول لهم إن مجرد جلوسهم وكلامهم هذا، نعمة، حُرم منها الكثيرون، لأن أوطانهم ضاعت، فليس لهم مكان يجلسون مثلكم ويتكلمون فيه!

أريد أهلى، وأريد أرضى، فوطنى يسكن قلبى، وعندى أمل أن أعود، أريد أن أعود، ولو كان حفنة تراب، ولا أجد فوقى إلا السماء، لكن أعود، دامت لنا مصر، فهى الأمل، حافظوا عليها من أجلكم، ومن أجلنا، فالوطن هو الحياة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.