التجربة الهولندية

اختياراتك هى جزء من حياتك فلا تقول إنه النصيب أو القدر، فأنا أؤمن بالقدر وبالنصيب، لكن أؤمن أيضا بأن اختيارى مصدره قلبى وعقلى.. فإذا نجحت فى الاختيار أقول أنا اخترت، وإذا فشلت علَّقت فشلى على النصيب، وقد يكون الصواب أمامك وتختار غيره لأنه أرضى هوى نفسك ولم تفكر، فلا ترم سوء اختيارك على النصيب.

أنا زوجة فى الثلاثينيات وأم لبنت عمرها عشر سنوات وولد عمره ثمانى سنوات، أهتم بأولادى وبأصدقاء أولادى جدا لعلمى أن تأثير الصديق أحيانا يكون أكثر من تأثير الأهل، خصوصا فى هذه السن لأنهم يقلدون بعضهم تقليدا أعمى.

ابنتى لها صديقة اسمها ياسمين تحبها جدا، لكن ظروفها تدعو إلى القلق، فوالدها كان يعمل بعد تخرجه مهندسا فى الغردقة، وهناك تعرف على بنت هولندية الجنسية وأحبها وتزوجها وأنجبا ياسمين التى تعتبر نسخة من أمها بل أحلى، فالملامح والألوان غربية مع بعض الملامح الشرقية فسبحان الله فيما خلق.

والد ياسمين كان راضيا بحياته ويعمل بكل اجتهاد، وكان له صديق وزوجته وأولاده وجيرانه فى نفس المكان، فيقضون سويا وقتا جميلا ويلعب الأطفال سويا.

بعد فترة بدأت والدة ياسمين فى الشكوى لجارتها من ضيق اليد وأن الحياة بالنسبة لها فى منتهى الصعوبة وكانت تشد من أزرها وتخبرها بأنهم ما زالوا فى مرحلة تكوين النفس، وأن الحال يتبدل يوما بعد يوم وأنه لا بد لها أن تصبر.

وعندما بلغت ياسمين أربع سنوات، استيقظ الأب من النوم فلم يجد زوجته، بحث عنها كثيرا وعرف أنها غادرت مصر، لكن لم تذهب إلى هولندا بل ذهبت إلى دبى، مما أثار دهشة الجميع وطلبت منه الطلاق وطلقها بالفعل، وسبحان الله وكأنها من كان يمنع الرزق عنه فقد اجتهد فى عمله، عمل فى التجارة بجانبه وأصبح خلال ثلاث سنوات من أكبر الأغنياء.

تغيرت حياته وأصبح يمتلك أكثر من فيلا فى القاهرة وخارجها ويملك يختا فى منطقة ساحلية وعنده خدم يخدمونه هو وابنته، وألحقها بأغلى المدارس، لكنه لم يتزوج.

مرت السنوات بياسمين وهى تكبر، تشتاق لأمها وترى كل أصدقائها فى المدرسة يتحدثون ويخرجون مع أمهاتهم، فكانت تتصل بأمها ورغم أنها كانت صغيرة على أن يكون لديها \”فيس بوك\” دون رقيب فى هذا العمر إلا أنه كان وسيلة من وسائل حديثها مع أمها.

فقد كانت ترى صور أمها على \”فيس بوك\”، وهى برفقة صديق لها تشرب وترقص وتقبله ويقبلها وتعيش حياتها دون أن تفكر فيها أو فى مشاعرها كابنة.

وعلى الجانب ترى فى أبيها الآخر الاحترام والتدين المعتدل وليس له صور مع سيدات أو ما شابه، فتضاربت مشاعرها لا تدرى من منهما على صواب، فهى رغم قسوة أمها إلا أنها تشتاق إليها وتراها جميلة، بل وأحيانا تحب أن تقلدها فى طريقة لبسها وتصفيف شعرها بل تتمادى فى عرض صورها على أصدقائها فى المدرسة وعندما يسألونها: \”مين الراجل ده اللى مع مامتك؟\” ترد \”ده صاحبها\”.

ومر ست سنوات حتى أصبحت ياسمين فى العاشرة من عمرها دون أن ترى أمها، وأمها فى الأساس لم تطلب أن تراها واكتفت بالـ \”فيس بوك\”.

أحست ياسمين أنها كبرت ففى سن العاشرة تنظر إلى البنات فهن لسن بأطفال ولا هن كبار، فكانت تحاول أن تظهر أكبر من سنها، تقلد أمها وتلبس المايوه وتصور نفسها وتنزل صورها على \”فيس بوك\” وتلبس ما لا يليق بطفلة فهى فى نظرى أنا طفلة، أحس بالشفقة عليها، خصوصا أن العمل يأخذ كل وقت والدها، والأم هى أساس المنزل وهى محرومة حتى من رؤيتها، لا أمنع ابنتى من الكلام معها، لكنى أراقب وأعرف كل ما تقوله لها، لكنى أمنع خروجهما دونى حتى أسيطر عليهما، فأنا دائمة الاتصال بأمهات أصدقاء ابنتى، لكن بالنسبة لياسمين أتحدث مع من؟!

وأخيرا قرر أبو ياسمين، أن يتزوج وأحب سيدة سبق لها الزواج ولديها ولد وبنت وفى نظره أنهما سيصبحان أخوين جديدين لها تقضى معهما وقتها، ياسمين رافضة تماما لهذه الزيجة وتعتبرهم دخلاء عليها وسيقاسمونها فى اهتمام والدها.

وبدأت تتصرف بشر كبير وتدعى أشياء لا تحدث، فتقول لوالدها إنهم يسيئون معاملتها، أو تعمدوا إهانتها أمام أصدقائها، والغريب أنها تحكى لأصدقائها فى المدرسة عن أفعالها بلا خجل وتضحك وكأنها تجيز كل ما نفعل، لكن والدها كان يعلم أنها لا ترغب فى زواجه فلم يصدقها ولا يريد ما يعطله عن عمله والآن هو يسير فى إتمام إجراءات زواجه وعنده أمل أن العشرة سوف تجعل الأمور تستقيم.

اتصلت ياسمين بأمها لتخبرها بزواج أبيها وأنها تريد أن تعيش معها، وردها كان صادما كطبعها، نصحتْها ألا تترك أباها لأنه أصبح غنيا فلا تتركه لهم يأخذون ماله، بل تعيش وتستمتع وعندما يموت سيكون لها حق فى كل أمواله، أعتبر هذا الكلام من أم لابنتها هو اغتيال لطفولتها فياسمين كل تصرفاتها الآن تنم عن اضطراب كبير وهى مشروع إنسانة غير سوية بالمرة بسبب الظروف التى تعيش فيها، فهى ضحية الاثنين، أب يجمع الفلوس وأم تعيش حياتها كما يحلو لها.

فحين تُقدم على الزواج تختار فيها الأم قبل الزوجة، وذلك لأننا بالفعل لا نختار أباءنا ولا أمهاتنا، لكن إذا اخترتها كزوجة فقط أعجبك فيها جمالها وانطلاقها ولم تفكر فى كيف ستكون أمَّا لأولادك هنا يأتى اختيارك وهو \”لن أنجب أطفالا\” وجرب جميع الجنسيات والأشكال والألوان لأن هذا اختيارك لنفسك، وعيش!!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.