الله موجود

أحيانا ما تمرّ بنا لحظة نشعر فيها أن الحياة تكاد تتوقف وقد لا تستمر.. إلا أن الأمور تظل تسير فى مجراها.. فالحياة لا تتوقف عند فقدان من نحب أو لفراق غالٍ علينا.

نعم قد تثقل الأيام كاهلنا.. قد نحزن لبعض الوقت.. قد لا نستطيع أن نرفع رءوسنا كاملة، أو نرسم على وجوهنا تلك الابتسامة الباهتة التى اعتدناها أحيانا، قد نحاول أن نبدى فى عيوننا ملامح سعادة وهمية، أو نمثّل الفرحة، لا لأنفسنا، لكن من أجل من يحيطون بنا.. لكى لا نثقل عليهم بهمومنا.. وما إن يلحّ أحدٌ علينا بسؤال عن أحوالنا، لا نجد إلا دموعنا، لكى نجيب عنه.

أنا سيدة فى الثلاثينيات من العمر، متزوّجة وأم ولدين، كنت أعيش حياة طبيعية مع زوجى وولدى، إلى أن فوجئت يوما بجرس الهاتف يوقظنى عند الفجر.. كانت أمى مذعورة، فقد أصيب أبى فجأة بحالة ضيق فى التنفس، وأعراض أزمة قلبية.. كان أبى فى السابعة والستين من عمره، وفى صحة جيدة.. يمارس الرياضة.. دقيق فى اختيار الطعام الذى يتناوله.. دائم المرح.. طيّب القلب.. يعطف على الصغير قبل الكبير.. كان السند لنا جميعا، يُضلل علينا ويفك أزمة كل مكروب.. كان يملك مزيجا نادرا من الحنان والحزم فى آن واحد.. كان السند لنا بعد الله سبحانه وتعالى عند الأزمات.

نزلت علىّ تلك المكالمة كالصاعقة، فهرعت لأوقظ زوجى، وذهبنا مسرعين لننقله لأقرب مستشفى، لم تكن حالة أبى سيئة، فقد نزل من البيت ماشيا على قدميه.. كان فقط فى حالة من الإعياء الواضح عليه.. لكن كعادته كانت ابتسامته لا تفارق وجهه، حرصا على ألا يزعجنا أو يثير قلقنا عليه.

وما إن وصلنا المستشفى، حتى دخلنا فورا فى دوامة التحاليل والأشعّات، لمعرفة سبب ضيق التنفس، واتّضح أنه يعانى أعراض أزمة قلبية، وأنه بحاجة لعمل قسطرة استكشافية لتحديد ما إذا كان يحتاج عملية قلب مفتوح، أم أن الأمر سيقتصر على عمل دعامات تساعده على اجتياز الأزمة التى يمرّ بها.

بالطبع بدأ أبي فى الفحوصات، وأنا وأختى وأمى معه، وكلّنا أمل أن يمرّ الأمر على خير، وأخذنا نمزح معه، ونداعبه، ونطمئنه على حالته، لكن كانت عيناه بهما لمسة حزن، لم نعتد أن نراها، وبعض القلق، وبين كل كلمة وأخرى يقول \”عايز أخرج من هنا\”.

ظللنا نطمئنه، ونهدئ من حالته النفسية. مرّ علينا يوم طويل، إلى أن طلبت منا الممرضة أن ننصرف، فلم يكن مسموحا لنا بالبقاء معه فى وحدة الرعاية المركزة.

وفى الصباح الباكر، عدنا إليه، لنجد الطبيب المعالج يخبرنا أن حالته قد ساءت فى أثناء الليل، واضطروا لعمل قسطرة.. وحين سألناه لماذا لم يتّصل بنا ليخبرنا، أجاب الطبيب بأن حالته لم تكن تسمح بذلك، وكان لا بدّ من السرعة فى تحديد المطلوب له، ولا بدّ من إجراء جراحة قلب مفتوح اليوم.

دخلنا لنطمئن على أبى، وفوجئنا أننا أمام شخص شاحب الوجه، تبدو عليه آثار الألم والمعاناة، وغائب عن الوعى، فلم يشعر بوجودنا من حوله.

بدأ القلق ينتابنا جميعا، لما آلت إليه حالته، على مدار ليلة واحدة!

لم يكن أبى فى مستشفى صغير مجهول، على العكس، ولم يكن أمامنا إلا الموافقة على عمل العملية، حتى ننقذه، ودفعنا كل ما طُلب منا.. بدأ القلق يتسرب إلينا ونحن لا ندرى ماذا يحدث من حولنا، وتحدد وقت العملية الساعة 4 عصرا. وبدأ أفراد العائلة يتوافدون علينا، وكل ما يشغل بالى أنا وأختى حال أمّنا التى أصبحت فى انهيار تام.

لم يكن أمامنا إلا الدعاء وقراءة القرآن. دخلنا لنراه قبل أن يدخل غرفة العمليات، وأعطونا متعلقاته، وخرجت فى حالة انهيار تام، فلم أصدق ما آلت اليه حالته بين ليلة وضحاها، كان قلبى يتمزّق وأنا أنظر لأمى التى ملأ قلبها اليأس، منذ وقعت عيناها على أبى، وفى العاشرة مساء، خرج علينا الطبيب ليخبرنا باحتياجه لدم، لصعوبة الحصول على فصيلة أبى، فعلنا المستحيل، وبواسطة أقاربنا وأحبابنا، استطعنا أن نوفّر 7 أكياس من فصيلته، فى أقل من ساعتين.

وعند الواحدة صباحا، خرج علينا الطبيب ليخبرنا أن أمر الله قد نفذ، و\”إن لله ما أخذ ولله ما أعطى\”، وكل شىء عنده إلى أجل مسمّى، فلنصبر ولنحتسب.

وجاءت المفاجأة الكبرى، عندما ذهبنا فى الصباح كى نتسلّم جثمانه، لنذهب به إلى مثواه الأخير، واستقبلنا العامل الذى قال لنا إنه استلم الجثمان الساعة السابعة والنصف مساء أمس، وكان المفترض أن يمشى، لكنه انتظرنا حتى وصلنا الساعة الثامنة!

لمن كنّا نجمع الدم إذن الساعة العاشرة ليلة أمس؟ ولماذا أبلغونا بوفاته الساعة الواحدة صباحا؟!

سألنا فى الإدارة، قالوا إنه يقول ذلك ليأخذ حسنة، فعدت لأجد العامل اختفى، وساعة الوفاة تكون بلا تركيز، والحزن يسيطر عليك فيشل تفكيرك، وأكملنا وخرجنا بوالدى، لكن زوج أختى قال لها إن الجرح الذى فى جسد والدى ليس جرح قلب مفتوح، فهو فتحة صغيرة، ويعتقد أن الوقت لم يمهلهم لإجراء العملية، فقد سبقهم وفارق الحياة، لكنهم قالوا ذلك لندفع حساب العملية!

وبعد دفن أبى بشهر، توالت علينا المعلومات، فعلمنا بعد ذلك من ابنة عمتى، ولها صديق طبيب فى نفس المستشفى، أن هذا الطبيب له أخطاء سابقة فى عمل القسطرة، وأنه تسبب فى وفاة حالة قبل ذلك بإحداث ثقب فى شريان من شرايين القلب، وهو واثق، لكن لا يستطيع الإثبات!

كان أبى سيموت فى نفس هذا اليوم، وفى نفس اللحظة، لكن شعورك أنه قُتل، هكذا تقول أمى \”أبوكم قتلوه\”! لا أستطيع تحمّل أن أخرجه للتشريح، لأثبت جريمتهم، قلبى لا يتحمل، هذا فوق طاقتى، ولا أستطيع أبدا أن أنسى ملامحه وهو يمسك يد أمى، ويطلب منها أن نخرجه، وأنه لا يريد البقاء.

مرت الآن ثلاث سنوات، ودفعنى لكتابة قصته أن الله حى لا يموت،؟ فقد علمت أن نفس الطبيب أُوقف عن العمل بسبب خطأ مماثل ويُحقق معه.. إنها عدالة السماء، فقد استجاب الله دعاء زوجة مكلومة، وأبناء يموتون بحسرتهم على شعورهم بأن أباهم قُتل. حتى الآن لا أستطيع أن أعبر أزمة وفاة أبى.. وكثيرا ما أجدنى أبكى، بل أكاد أصرخ بصوت عال بلا سبب، لا أحتمل الشجار أو النقاش حتى مع زوجى.. هناك شىء كامن داخلى يريد أن يخرج، ربما قهرا، لأن الحزن أقل مما أشعر به، وليس أمامى إلا الاستعانة بالله، فهو حسبى ونعم الوكيل.

يقول توفيق الحكيم \”ليس العقل ما يميّز الإنسان عن الحيوان، ولكن الضمير..\”، فإذا مات الضمير، ماذا تبقّى لنا؟!

لا أطلب أن نرقى لمستوى الملائكة، لكنى أطلب أن نتمسّك بإنسانيتنا، وأن نتذكّر أن الله موجود.. حقا.. الله موجود.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.