النُّص التانى

قد تفقد شيئا غاليا عليك، وترى الدنيا فى مرآة اليأس والاكتئاب، وتنسى أن هناك ما يسمى الإرادة والعزيمة والصبر، وتنظر إلى تلك الكلمات على أنها خاوية بلا معنى، أو كلمات يرددها من لا يشعر بما أنت فيه.

لك هذا. لكن إن امتلأت حياتك بالتفكير فى رغبتك فى أن تكون إنسانًا، ستجد نفسك ماردًا شامخًا، ترفض الشفقة وتحب الحياة، ترفض الهزيمة وإن هُزِمت، لا تستسلم.

أقصّ عليكم اليوم قصة واقعية، بعثت فىّ الأمل والعزيمة، وثبتت يقينى بأن الخير فى الأرض موجود، وإن ندر، ليوم الدين، أحسست أنى أعيش مشاعر لا توصف، لكنها مشاعر تقدير وحب واحترام.

ذهبت أمس إلى الكوافير، وبينما أنا جالسة، وقعت عينى على سيدة جميلة بمعنى الكلمة، ملابسها تدل على الرقى والذوق العالى، صوتها هادئ وابتسامتها لا تفارقها، ولكن فيها شىء غامض، لم أدركه للوهلة الأولى. شاءت الظروف أن أجلس جوارها، ليتضح لى أنها لا ترى!

تحدثت معها، ومع العاملة التى تقوم بعمل باديكير لها، وقصّت علينا حكايتها.

فقدت \”هبة\” نظرها وهى فى السابعة من العمر، نتيجة خطأ طبى، وهى من عائلة كبيرة وثرية، سافروا بها للخارج، وحاولوا المستحيل، لكن بلا نتيجة. لا يستطيع القلم أن يصف شعور أسرتها وقتها، وقلبهم ينزف على ابنتهم الطفلة التى كتب عليها أن تعيش ضريرة، لكن والدها كان يملك من الصبر والإيمان ما يجعله يسلّم لقضاء الله، لكنه لم يستسلم، فقرر أن تكمل تعليمها فى الخارج، وأن يصنع لها حياة ولو لم يبق معه مال، فألحقها بمدرسة فى الخارج، وخلق داخلها العزيمة وأنها تستطيع. وكانت تنزل إجازات إلى مصر فى الصيف.

كانت متفوقة، وحصلت على ما يؤهّلها لدخول كلية الطب فى الخارج وتفوقت فيها، وفى أثناء دراستها قابلت من أحبّها وأحبّته، وكانت قصة حبهما رائعة، فقد أحبها وهو يعرف حالها. حبيبها كان من عائلة ريفية، أى من العائلات التى تحافظ على التقاليد، يتمتع بجمال الشكل، فهو وسيم ويدرس معها فى كلية الطب.

عندما اعترف لها بحبه، قال لها إنه أحبها منذ نظر إليها، أحب فيها روحها القوية التى لا تستسلم وعقلها المتميز. تخرجت بتفوق، فإرادتها صلبة، والحب جعلها أكثر صلابة، جعلها تحس أنها إنسان مرغوب فيه فى الحياة. بعد تخرّجها كُرّمت وعملت طبيبة أمراض نفسية، وأسلم من أحبته من أجل أن يتزوجها، لأنه كان من ديانة أخرى، وتزوّجا بالفعل .

هبة من أشهر الأطباء النفسيين فى الخارج، ولا بدّ أن تحجز لزيارتها قبلها بشهر كامل، تستمتع بعملها لأقصى درجة وتتقنه، ولم لا وهى متصالحة مع كل ظروفها؟

من الأشياء التى تعجبت منها، وأنا أتحدث معها، أنها تشعر بك إذا نظرت فى اتجاه آخر، وتطلب منك أن تنظر إليها، وهى تتحدث معك، وتبعد عنك إذا شعرت أن الذى يربطك بها أو يجعلك تعرفها هو الشفقة، لأنها تؤلمها، وتجعلها تشعر أنها أقل، وهى ليست الأقل أبدًا. تضحك وهى تتكلم عن أسرتها، فتقول عليهم \”بيعرفوا يطبخوا محاشى حلوة قوى، بس أنا كمان بعرف أطبخ، بس مش محشى\”.

هبة فى عينى، إنسان يؤمن بالله وقدره، لم تستسلم لفقد بصرها، لكن الذى أعانها هو \”النص التانى\” وهو فى نظرى إنسان بما تحتويه الكلمة. هى تستطيع فعل أشياء كثيرة دربت نفسها عليها. تعرف أماكن الأشياء كلها، وترتّبها بنفسها، حتى إذا احتاجت شيئا تستطيع أن تجده. زوجها يختار لها ملابسها حتى تكون أنيقة، ويخبرها بالألوان التى تتذكرها جيدًا، لأنها فقدت بصرها وهى فى السابعة. يغسل الأطباق بعد الطعام وهى تضعها فى أماكنها التى تعرفها، يساعدها وهى تطهو، وبالفعل هى طباخة جيدة، إذا ذهبا للعشاء فى مكان خارج البيت، يصفه لها، ويخبرها بعدد الموائد، وألوان المقاعد. حتى إضاءة المكان يصفها لها، وألوان ملابس العاملين، ويقرأ لها أصناف الطعام بالتفصيل وعلى مهل، حتى تستطيع اختيار ما تريد بلا عجالة، يذهب بها إلى الكوافير كل أسبوع، ويختار لها ما تفعله، ويذهب ليأخذها، ويبدى رأيه فى شكلها بسعادة.

بعد سنوات من الزواج بلا إنجاب، مرضت هبة، وكان لا بدّ من عملية ستفقد فيها الرحم، وبذلك فقدت الأمل فى الإنجاب. مرّ الأمر عليهما وكأنه لم يمر، ربما حزنت داخلها، وربما تمنى داخله، لكنه كان يحب حياته معها أكثر من حبه لأن يكون لديه طفل، والذى حدث بالفعل أنها وجدت نصفها الثانى بجوارها ،لا يريد غيرها، ويتحدى معها كل الظروف، إنه العشق. وفى العشق حياة غير الحياة.

المشهد الأخير عندما دخل زوجها ليأخذها من الكوافير بعد أن انتهت، رأيت رجلًا فى الأربعينيات، وسيما جدًا، وابتسامته تشبه ابتسامتها.. ألقى علينا التحية وعينه عليها، يمتدح قصة شعرها الجديدة وكم هى رائعة.

وعندما غادرا، تركانى سابحة فى حلم جميل، لا أريد أن أستيقظ منه، فقد فقدت بصرها وهى طفلة، لكن الله عوضها بروح وقلب يحب ويعشق، رزقها بالنص الثانى.

أعرف أن من سيقرأ سيقول أين هذا؟ وهو شىء نادر لا وجود له، لكنى أقول إن العيب فينا، لكننا ننعت الزمان بالعيب، نحن نكره ونعادى ونلوم. نحن من يخون ويكذب، نحن من نقهر ونخدع. نحن من نزرع الشوك ثم نشكو ونبكى!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.