بروفة زواج

فى إقدامك على قرار وخطوة جديدة فى حياتك، تلزمك الشجاعة، وفى اتخاذه ولو كان خاطئا راحة البال والطمأنينة، والأهم أن تنفّذ، خصوصا إن كان قرارك يخصّ أشخاصا آخرين.

ولكن عند التنفيذ تجد الكثيرين يتغيّر حالهم، وتنقلب الشجاعة إلى جُبن، ربما لأنك لست قادرا على قرارك، وصدق القول أن \”من يملك القرار لا يملك نفسه\”.

أنا سيدة فى أوائل الثلاثينيات، تزوّجت وأنا أبلغ من العمر 22 عاما، زواج صالونات، ونتيجة الزيجة ابنة واحدة، وطلّقت بعد عام من زواجى الذى أثبت فشله من أول يوم، وأصبحت مطلقة وأنا ما زلت طفلة، أحتاج أن أُحِب وأُحَب وأعيش حياتى الطبيعية.

وترك لى زوجى السابق الشقة، لأنى حاضن، وفى حال زواجى أخرج منها، عشت فيها أنا وابنتى، وكنت أوزّع وقتى بين بيتى والذهاب لمنزل الأسرة. وكان من الضرورى فعل ذلك، فمن أين أصرف على نفسى أنا وابنتى وأنا لا أعمل، والنفقة التى يرسلها لا تكفى أى شىء. رغم أنى تزوجت سنة واحدة، فإنى تعودت على أن تكون لى حياتى المستقلة، وعودتى للإقامة فى منزل أسرتى أصبحت عسيرة.. فالمطلوب منى أن أخدم كل من فى المنزل، إخوتى وزوجاتهم حين يأتوا لزيارتنا، والوقوف فى المطبخ دائما مكان أمى، ولِم لا؟ فأنا المطلقة ومعى ابنة ولا أعمل، ويساعدوننى ماديا، وعدت إليهم، فلا بدّ أن أطيع كل ما أُأمر به، وأحسست أنى أَمَةٌ مقيّدة بأغلال من حديد أريد أن أكسرها.

مرّ على هذا، عشر سنوات، حاولت أن أعمل، لكنى فشلت، وكانت الأيام تجرى أمامى، وابنتى تكبر ويزداد ارتباطى وحبى لها، ولكن ماذا عنّى أنا؟ أحسّ أنى روح تائهة، تبحث عن برّ لترسو عليه، ولا أجد، والرجال عندما يجدون امرأة مطلّقة تزدهر عندهم التوقعات، وتصبح بالنسبة لهم فريسة سهلة، وكلهم يبدأون بالزواج وينتهون بالهروب، أو الزواج العرفى، دون علم أحد، وهذا ليس زواجا أبدا، إلى أن قابلت علاء مع مجموعة من الأصدقاء، ولا أكذب حين أقول إنه لم يلفت نظرى، ولم أفكر فيه، لكنه لم يترك الفرصة، وحاول التقرب منى.

ماذا تنتظرون من إنسانة عطشانة لكلمة حب.. لنظرة دافئة.. لأحد يُشعرها أنها ما زالت على قيد الحياة؟ بدأت أنجذب له، وأنتظر مكالمته اليومية، وبعد أن كانت مكالمة واحدة، أصبحت مكالمات ولقاءات وحبا جارفا لا أستطيع أن أوقف جريانه.

علاء متزوّج، ولديه ولدان، لكنه غير متفق مع زوجته، ويعيش معها من أجل أولاده، وعائلته من العائلات المحافظة، الطلاق بالنسبة لهم، لا وجود له، ورغم أنه قادر ماديا، لكن لا يستطيع أن يأخذ قرار الانفصال منها.

استمرت علاقتنا عامين، كنت أراعى فيها ظروف أسرته عندما يتأخر فى السؤال عنى أو مقابلتى، ولكننى بدأت أحس بالضعف الشديد تجاهه، حتى إنى أحيانا أشعر بالغيرة عليه، حتى منهم. سألت نفسى إلى متى؟ وهو لم يحدّثنى مرة بخصوص الارتباط الرسمى! قررت أن أبتعد، وابتعدت، ولم أرد على اتصالاته، وهو لم يكف عن الاتصال، إلى أن وجدته يوما يقف بجوار منزلى.

وعدنا أقوى من قبل، وبكى أمامى وقال لى لأول مرة \”نتزوج\”، وإنه لا يستطيع فراقى، وكان شرطه أن نتزوج على سنة الله ورسوله، لكن دون علم العائلتين.

رفضت رفضا مطلقا، وكانت حجته أن زوجته لو علمت، ستقع مشكلة كبيرة فى العائلة، وهو يخاف على أولاده، وإن عرفت عائلتى، سوف ينتشر الموضوع، ويصل إلى زوجته بطريقة ما، ونسى أن لدى ابنة، ولو قيل إن أمها تزوّجت فى السر، سوف يؤثر ذلك على مستقبلها، إضافة لموقف أهلى أيضا.

شرحت له صعوبة موقفى، وأنى سأبذل مجهودا كبيرا لإقناع أهلى ألا يخبروا أحدا بزواجنا من أجل أسرته، لأنى أحبه، وكانت الحلول التى يطرحها غريبة جدا، آخرها أن نتزّوج، ولا يعلم أحد، ونتقابل يومين فى الأسبوع فى شقتى، عندما تكون ابنتى لدى أسرتى، فلن يلحظ أحد غيابى، وأنه سيعوّضنى عن كل سنين حرمانى.

وفجأة رنّ الموبايل، كانت زوجته تسأله عن مكانه، فأخبرها أنه فى مكتبه.. اتّضح أنها قريبة من مكان عمله، وتنوى الحضور إليه، فقام من مكانه مذعورا يجرى دون كلمة، ولم يتذكّر حتى أن يدفع الحساب، لم يقل شيئا، \”لا سلام ولا كلام\”، إلا الانطلاق للحاق بها قبل أن تصل المكتب، وكأنّى هواء لا يرانى!

العجيب أنى لم أغضب ولم أبكِ، فقد علمت أنها رسالة السماء، وعاد واتصل بى فى اليوم التالى، ليبرّر موقفه، لكنى كنت قد اتّخذت قرارى، وهو الفراق. مكالمة موبايل جعلته يجرى هائما على وجهه، وهذا معناه أنه بعد ذلك من الممكن أن يجرى وينسى ارتداء ملابسه! اعتبرت هذا الموقف بروفة زواج.

وسألت نفسى: ما فائدة الزواج لو راح منه الأمان؟ سيضحّى بى لدى أوّل موقف، لأنى الأقل فى نظره، وهو يدّعى أمامى الشجاعة، بينما يخشى زوجته، هو لم يحبّنى، بل كان يحب نفسه فقط، وكما قال برنارد شو \”يبدو أن الأسد فى القفص أكثر ألفة، لأنه يكون فى مأمن من الناس\”.

سأقنع نفسى أنك ميّت، وسأشيّع لك جنازة فى قلبى، وإن رأيتك سأقول \”يخلق من الشبه أربعين\”.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.