تمّت برمجته!

دعونى أقصّ عليكم قصة ابنتى، قبل أن أترك هذه الدنيا، فلا أحد يعرف كم تبقّى من العمر، لعل فى ما سأحكيه تجربة يستفيد منها الآخرون، وقد تُعينهم على المضىّ فى طريق الصواب.

ابنتى وابنى هما كل ما خرجت بهما من هذه الدنيا، فقد توفى زوجى وهما فى سن الشباب. كان والدهما -رحمه الله- مثالا للأب الحنون الذى يُفرط فى تدليل أبنائه، خصوصا ابنتنا، ما انعكس على أسلوب حياتها.

مرّت الأيام بنا، ورغم أن ابنى هو الأصغر، فقد تزوّج قبل أخته وسافر ليبنى حياته، ويعمل فى إحدى الدول العربية، أما ابنتى داليا، فاهتمت بحياتها العملية، ونسيت حياتها الشخصية، فلم تكن تفكر فى الزواج قدر اهتمامها بكيف تصبح نجمة لامعة فى عملها، وكيف تكون الأولى وموضع اهتمام رؤسائها.

لم أتعجّب عندما رأيتها بهذا السلوك، فقد رأيت فيها هذه الصفات وهى ما زالت طالبة تحبو فى دراستها، فلم تحتفظ بصديقة واحدة طوال فترة الجامعة، لأنّها محبّة لذاتها أكثر من أى شىء، وكم لُمتها على ذلك، ولكن الطبع يغلب التطبّع.

عندما تخرجت فى الجامعة وعملت، كنت أرى كيف تتعامل مع زملائها ورؤسائها، فلديها القدرة على البكاء والضحك والصراخ فى لحظة واحدة، وهى مقدرة لا يتمتع بها الكثيرون، ولا مانع من أن تبيع صديقة أو صديقا فى سبيل تحقيق مصلحتها، فهى تدور فى فلك ذاتها، ومن أجل ذاتها، وإذا شكر فى أحد مرؤوسيها تتجاهل ذلك، وربما تحطّ من قدره.

تقدم لها الكثيرون يطلبون يدها، وخطبت مرتين، وعندما تعارضت خطبتها مع مصلحتها، أنهتها سريعا، ودون الإنصات لصوت العقل والحكمة.

لا تتعجبوا وأنا أقول هذا عن ابنتى، فالأم هى مرآة أولادها، تحاول أن تساعدهم إن قبلوا، ولكن كثيرًا ما تذهب نصائحها مع الريح، فلا يكون لها مكان.

أصبحت داليا الأولى فى عملها، وازدادت كبرًا وإحساسًا بالنفس، خصوصا أن الجميع يتبارى فى إرضائها، لكنها أوشكت على بلوغ الأربعين دون زواج، وبدأ هذا الأمر يؤرّقها، ليس من أجل الزواج بل من أجل نظرة الناس لها.

إلى أن ظهر فى الأفق أحد مرؤوسيها، وكان يصغرها بـ13 عاما، أخذ يتقرب منها، ولم يكتف بذلك، ولكن أعلن لها حبه وعشقه، ربما جاء فى لحظات ضعف، كانت هى بحاجة فيها إلى أن تستعيد نفسها وإحساسها أنها لا تزال مرغوبة كأنثى، وأن هناك من يحبها.

ورغم فارق السن، فإن ذلك لم يكن ظاهرا للناس، حيث كان اهتمامها بنفسها يجعلها تبدو أصغر بكثير، وتطوّر الوضع بينهما إلى أن طلب منها الزواج. وعلم زملاؤها فى العمل بذلك، وبدأت النميمة من خلفها، وكانت هى تعلم ما يدور حولها، وهو أمر طبيعى، فمعظم الناس كانوا يرونه طامعا فى ثروتها ومنصبها، وراغبا فى الصعود على أكتافها، كى يصل إلى منصب أفضل، وكانوا يرددون أنها ستكون زيجة مصلحة قصيرة العمر، وأنه قد يطلّقها بمجرد أن ينول ما يريد.

ولأن ابنتى عنيدة الطبع، فقد أخذت قرار الزواج منه، إضافة إلى قرار أهم، اتّخذته فى قرارة نفسها، هو أن تنجح هذه الزيجة وتستمر، وألا تجعل أحدًا يشمت فيها أبدًا ذات يوم.

ورغم رفضى زواجها من هذا الشخص، فإنها أصرّت، فأدركت أننى لم أعد أمام طفلتى الصغيرة، كى أملى عليها إرادتى، وبالفعل تمت خطبتها، لكن لم تكن البدايات مبشّرة، فمنذ اليوم الأول بدأت الإهانات من أسرته، فلم يكونوا مرحّبين بفارق السن بينهما، ووصل بهم الأمر أن أفصحوا عن ذلك فى وجهها، لكنها اصطنعت الضحك، وكأنها لم تسمع ما قالوه، وبذكائها الفطرى بدأت فى التقرب لهم، ومحاولة نيل رضاهم.

وفى أثناء فترة الخطبة، بدأت تتضح لها صفات أخرى لم تكن تراها فيه، بعضها يصعب عليها تقبّله، فهو شخص لا يحترم مواعيده، ولا يفى بالتزاماته المادية والمعنوية، وأحيانًا يتعمّد إهانتها إهانة بالغة أمامى، أو أمام صديقاتها!

وما كنت أعجب منه، هو رد فعلها تجاه هذه الإهانات، حين أنظر إلى وجهها فلا أرى أى انطباع غير الصمت، أو ابتسامة صفراء، لا تستطيع أن تميّز منها ما إذا كانت حزينة أم سعيدة.

وفى النهاية تزوّجت وهى تنظر للجميع تلك النظرات التى أفهمها جيدًا، وملخّصها: \”أنا داليا وماحدّش هيشمت فيا\”.

والحقيقة أنها لم ترغمه على الزواج منها، فهو من جرى وراءها، وهى فى النهاية تزوجته على سنة الله ورسوله، لكن فى داخله ظل يشعر بفارق السن بينهما.

بعد الزواج مباشرة، أصبح هدف ابنتى أن تنجب قبل فوات الأوان، رغم أن زوجها تغيّرت معاملته معها للأسوأ، لكنها ظلّت تتغاضى عن إساءاته إلى أن أنجبت منه طفلة، وبدأت حياتهما تتغير، فهو يريد أن يلهو مع أصدقائه، ويستغرق فى حالة من المراهقة، فيخرج مع فتيات فى سنّه، ويعيش معهم قصص حب، وهى تعلم ذلك، وتغضّ البصر، وكأنّها فى حالة نكران لما يحدث فى حياتها.

ووصل به الحال أنه كان يغازل فتيات معه فى العمل، وهم فى نفس المكان، وعلى مسمع ومرأى منها، فتأخذ مواقف مثيرة للتعجب، فتصادق من يغازلها زوجها علنا، ظنًا منها أنها بذلك تتّقى شرها بلطف.

لم تتغيّر ابنتى فى عملها، فكانت كما اعتادت، الأولى والأفضل والأكثر تميزا، تضع صورها فى كل مكان بالمنزل، وفى العمل، ما يعطيك انطباعا عن مدى حبّها لذاتها.

كان نجاحها يجعله يشعر بالغيرة منها، فيحاول أن يعطّلها عن عملها، لكنها كانت قادرة دائما على أن تلبّى كل طلباته وطلبات بيتها دون أن يؤثر هذا على عملها، ووصل الأمر لما هو أكثر من ذلك، حيث بدأ فى استغلال وضعها المادى الذى كان يفوقه، ويطلب منها شراء سيارة له باسمه، وقبلت بذلك وكأنها تدفع ضريبة فارق السن بينهما!

طموح ابنتى كان بلا حدود، فاستطاعت أن تغيّر المنزل الذى تزوجا فيه، وانتقلت لمنزل أكبر، واستطاعت أيضًا أن تشترى بيتا فى مدينة ساحلية، لكن المفارقة الكبرى، أنها فى كل مرة تشترى شيئا جديدًا، يزداد سوءًا وقسوة فى معاملته لها، ويتعمّد الإساءة لها أمامى وأمام الجميع!

كان يتعمد إحراجها أمام الناس، وتطوّر به الأمر، فصار يهددها بالطلاق أكثر من مرة. لكنها كانت تتعمد الصمت وعدم الجدال معه، كى تفوّت عليه فرصة تنفيذ ما يقول، ومع تكرار ذلك، بدأت تستعين بوالدته التى أصبحت مع الوقت محاميها الأول، فبذكاء استطاعت داليا خطب ود أسرته، وجذبهم تجاهها ضد ابنهم.

تعدت ابنتى الستين، ولو رأيتها لن تصدق، وتزوجت ابنتُها، وزوجها على مشارف الخمسين، وقد نجحت فى برمجته على الحياة التى تصر على الحفاظ عليها، متغاضية عن نزواته ومغامراته خارج المنزل، مكتفية بمجرّد وجوده معها، فلم يمكنه أن يتزوّج غيرها، أو يبتعد عن منزل الزوجية ومملكتها التى أرادتها، وتنازلت عن أشياء كثيرة للحفاظ عليها.

ومع مرور السنين، بدأ فارق السن يبدو عليها، فقد زاد وزنها بشكل واضح، إلا أنها ظلت رغم ذلك سعيدة بتفوّقها عليه، ونجاحها مقارنة بما حققه هو فى حياته من نتائج متواضعة.

وفى أوج شعورها بنشوة الانتصار، شعرت بتغيّر جديد يطرأ عليه، فقد بدأ يفتعل الكثير من الحجج للمبيت خارج المنزل، فى بادئ الأمر اعتقدت أنه افتقد وجود ابنته بعد زواجها، لكن هذا الأمر ظل يتكرّر إلى أن عرفت أنه على علاقة بفتاة فى أوائل الثلاثينيات، غير متزوجة.

وعندما حاولت معرفة مدى العلاقة، عرفت أنه تزوجها عرفيا.

توقعتُ أن تثور وتغضب، لكنها لم تواجهه، لأنها تعلم أنه من الممكن أن يرفض ترك هذه الفتاة، وإذا رفض، ماذا ستفعل؟ هل تطلب الطلاق وتشمت الدنيا فيها؟

أعلم أن ابنتى الآن تفكر فى كيف تجعله يترك هذه الفتاة، دون أن يكون لها يد فى ذلك، ودون أن يعلم أنها عرفت أو خططت لذلك!

أقصّ عليكم قصة ابنتى من وجهة نظرى كأم، فأنا لا أعتبر أنها نجحت فى حياتها، ولا أعتقد أنها سعيدة كما تحاول أن تظهر للجميع.

فأى سعادة تلك التى تبنى على الإهانة والخيانة وعدم التكافؤ؟ أى سعادة تلك التى تبنى على التنقيب والبحث عن خطابات الزوج المتكررة وكأنها مخبر وليست زوجة؟!

إن الحياة بين الزوجين تبنى على الثقة، تبنى على المودة والرحمة.

فأين ذلك من تلك الحياة المهددة التى تعيشها ابنتى؟!

لقد أمضت ابنتى حياتها وهى تخشى من تفكير الناس ونظرتهم لها وشماتتهم فيها، ومن المؤكد أنها دفعت ثمنا باهظا لذلك فى أعماقها، لكنها ترفض أن تفصح عن ذلك.

قناعتى كأم وزوجة تربّت على تقاليد وقيم الأسرة، أن الأفضل للمرأة ألف مرة، أن تعيش بمفردها، عن أن تظل حبيسة ظنون الناس ونظرة المجتمع لها، لكن يبدو أن الذاتية والاستغراق فى الأنا، جعلا ابنتى تضحّى بالكثير من الثوابت والقيم التى تربّى عليها جيلى.

قد تعتقد ابنتى أنها قد نجحت فى برمجة زوجها على أشياء منافية لقيم الألفة والمودة والرحمة التى تبنى عليها العلاقة الزوجية، قد تكون فى حالة من الإنكار لما آلت إليه حياتها، لكن لا يمكن أن أتصور أنها واثقة من أنها قد نجحت فى علاقتها بشريك حياتها، مثلما نجحت فى عملها.

ربما تكون قد اعتقدت كذبا أنها قد برمجته على حياتها، لكن الحقيقة المؤكدة من وجهة نظرى أنه هو من استطاع أن يبرمجها على قبول أسلوب حياته المنافى للمنطق وللقيم والمعانى التى تقوم عليها الحياة الزوجية.

ويبقى السؤال: ألا تزال ابنتى تعتقد حين تنظر فى المرآة، أنها ملكة متوّجة على عرش الزوجية؟ أم أنه عرش من الوهم، نسجته فى خيالها بأفكار مغلوطة، قبلتها واستغرقت فيها، فآلت حياتها إلى ما آلت إليه؟

سؤال أعرف الإجابة عنه جيدا، لكن هل تملك ابنتى شجاعة أن تجيب عنه؟




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.