خارج نطاق الحب!

بدأت قصتى وأنا فى الثانوية العامة، حيث كنت أذهب لإحدى مراكز دروس التقوية بالقرب من منزلنا، وهناك التقيت مروة، كانت مواعيد دروسها تتفق مع مواعيدى ولا أعلم لماذا كنت لا أريد أن أرفع عينى عنها، أراقب كل شىء فيها.. أسلوب كلامها، ملابسها وحتى تهريجها.

عشقت كل تفاصيلها رغم أننا لم نتحدث كثيراً.. ومع الوقت احتلت مروة مساحة كبيرة من تفكيرى وأصبحت أحد أسباب تطلعى ولهفتى لموعد الدروس للذهاب إلى المركز، بل إننى صرت أذهب من أجل أن أراها وأسمع صوتها ووصل بى الحال إلى أننى كنت أنتظر حتى تأتى والدتها لتأخذها بعد ميعاد الدرس لأطمئن عليها.

كان أجمل شىء فيها أنك تستطيع أن تقرأ ما تريد أن تقوله دون أن تنطق بكلمة واحدة، بالإضافة إلى حالة الإيجابية والبهجة التى تشيعها من حولها بروحها المرحة حتى وإن كانت حزينة.

انتهت امتحانات الثانوية العامة وحصلنا على مجموع متقارب لنلتحق بنفس الكلية وأصبحت أراها كل يوم وأكره أيام الإجازات التى ستحول دون رؤياها، توطدت علاقتى معها فقد كنا نرى بعضنا يومياً وأصبحت تربطنا صداقة قوية فكانت تتصل بى لإخبارى بأنها كانت مريضة أو لديها ظروف تضطرها لأن تتغيب.

وكانت تقص على كل أمورها فكنت موضع ثقتها، حتى فى رحلات الجامعة كانت تسألنى إن كنت سأذهب، وإن كنت لا أريد تلحُّ علىَّ حتى أرجع عن قرارى وأذهب معهم.

كل يوم كان يمر كان يزيد من ارتباطى بها ورغم صغر سنى وقتها إلا أنى كنت أفكر قبل أن أتكلم فقد أحببتها حتى كانت بالنسبة لى كالدماء التى تجرى فى عروقى، فهى أول حب ينبض به قلبى، لكنى فضلت الانتظار حتى أشعر أنها أيضاً تبادلنى نفس الحب وبنفس القوة، لكنى كنت دائماً قريباً منها وبجوارها وأتمنى أن أراها تبتسم.

انتقلنا للعام الثانى وعلاقتنا لا يفهمها كثير ممن حولنا، هل نحن مرتبطان أم صديقان فقط؟ إلى أن جاء يوم كنا فى رحلة إلى الإسكندرية، ولاحظت أن هناك زميلاً لنا فى بكالوريوس يتبادل معها الحديث كثيراً، ولم تكن المرة الأولى التى أراه يتحدث إليها، لكن هذه المرة كانت أطول وأكثر جرأة، شعرت بغيرة شديدة وانتظرت فرصة الانفراد بها وسألتها: \”هو إيه الحكاية، ماله دا؟\”، فوجدتها بصراحتها المعهودة معى ترد أنها تشعر بإعجاب تجاهه وتعجبها شخصيته.

شعرت برغبة فى أن أثور عليها وأصارحها بحبى وأسألها ألم تشعرى بى؟ يقولون إن \”من القلب للقلب رسول\” ألم يكن بين قلوبنا رسل وأيام؟ لكنى عجزت عن الكلام وفضلت الصمت وقلت لنفسى \”هى لم تشعر بى لأنها لم تحبنى\”.

ومضت الأيام ورأيت مروة وهى تتطور علاقتها بهذا الشخص حتى بعد أن تخرج من الكلية كان يأتى ليراها وكانت تقص علىَّ كل ما يدور بينهما، فقد اعتبرتنى صديقاً لها.. فى الوقت الذى حاولت أن أخرج من حالتى وأتعرف بغيرها، لكنى لم أستطع فأنا ما زلت أحبها ولا أستطيع الابتعاد عنها، وظلت علاقتنا بهذا الشكل، هى تقترب منى وترتاح لى وتكلمنى دائماً كصديق وأنا أحبها من أعماقى فى صمت، إلا أننا ظللنا لا نجد راحتنا إلا فى الحديث سوياً، فقد أصبحت حواراتنا نوعاً من الإدمان.

إلى أن تمت خطبة مروة فى آخر سنة لنا فى الكلية وأنا أشعر بعذاب لا أستطيع أن أبوح به، فقد كانت أغلى عندى من أن أُفسد فرحتها أو أتكلم مع أى شخص عن أى شىء يخصها، ربما يتعجب البعض من موقفى أو يستهزأ بى، لكن هذا هو أنا وهكذا كانت مشاعرى.

وبعد أن تمت خطبتها قررت الابتعاد، لكن قلبى ظل معها، وتعرفت على فتاة أخرى فى هذا الوقت، لكنى عندما شعرت بأن الموضوع سيدخل فى منعطف زواج صارحتها بأن قلبى ليس بيدى ولا أستطيع الارتباط الآن.

فى رحلة العمل جاءت لى فرصة للعمل بالخارج وفرحت بها كفرصة لبناء مستقبلى وأثناء تجهيز أوراقى للسفر اتصلت بى مروة وكانت تبكى وجريت إليها لأعرف ما الأمر، وعلمت أنها انفصلت عن خطيبها لأن معاملته لها كانت قاسية وأنها لم تعد تطيق الحياة معه، كنت سعيداً وأنا أستمع إليها، لكنى رأيت أن الوقت غير مناسب لكى أصارحها بحبى وهى فى هذه الحالة حتى لا أسمع منها فى لحظات ضعف ما قد تندم عليه بعد ذلك.

وعلمت مروة بسفرى للعمل فأخذت تبكى وطلبت منى ألا أقطع الاتصال بها ووعدتها بأن أظل دائم الاتصال بها وأن أعود فى أقرب فرصة لأراها بعد أن استقر وأرتب أمورى.

وبالفعل نفذت وعدى وعدت خصيصاً فى إجازة سريعة، وظللت بعدها على اتصال دائم بها من غربتى، لكن بعد فترة انقطعت أخبارها وقلَّ الاتصال بيننا إلى أن فوجئت بها تتصل بى لتخبرنى بأن هناك شاباً آخر يريد خطبتها وأن خطوبتها بعد أسبوع!!

بعد هذه المكالمة شعرت بأن ارتباطنا يكاد يصبح أمراً مستحيلاً فقررت أن أغلق هذا الباب إلى الأبد، وأن أحتفظ بحبى لها كسر من أسرار حياتى، لا أنكر قدر إحباطى وغضبى وأنا أتخذ هذا القرار.

أحيانا حين نغضب يتوقف عقلنا عن التفكير.. ظللت أسأل نفسى بعدها:

لماذا لم أصارحها؟!

لماذا الصمت والانتظار ما دمت أحبها؟!

لماذا ظللت أعتقد أنها لابد أن تشعر وحدها بمدى تعلقى بها وحبى لها؟!

ما هذا الغرور الذى ينتابنى؟!

أهو غرور أم أننى لم أحبها بالقدر الكافى الذى يجعلنى أضمها إلىَّ وأحارب من أجل أن أحظى بها دون الرجال كافة؟!وتمت خطبة مروة للمرة الثانية، لكن لم تمكث خطبتها هذه المرة لأكثر من ثلاثة أشهر ثم انفصلت، وعدت فى إجازة خاطفة والتقينا، لكن هذه المرة كان اللقاء مختلفاً.. كان لقاء العمر، فقد بكت بمجرد أن رأتنى، وضممتها إلى صدرى لأول مرة بعد معرفة تسع سنوات.. ولأول مرة نجلس متقاربيْن.. لأول مرة تعانق يدى يدها.. لأول مرة أقول لها إنى أحببتها ومازلت أحبها، وقالت لى إنها تجد فىَّ نصفها الثانى، وإنها لا ترتاح فى الحديث إلا معى، وإننا ربما نكون قد أخطأنا حين حبسنا علاقتنا فى إطار الصداقة فقط.

واتفقنا على أن أسافر لعملى ولاحتياجى للمال، وأن أعود فى أقرب فرصة لكى نقرر مستقبلنا معاً.

كنت فى البداية أرسل لها باستمرار، وأتحدث إليها، لكن لا أعلم ماذا حدث بداخلى؟ ربما لأنى أعرف عنها الكثير وكل ما مرت به فى علاقاتها السابقة.. إحساسى أنها لم تشعر بى إلا بعد فشلها المتكرر صار يؤرقنى.. صرت أسأل نفسى هل أنا مجرد بديل لجأت إليه فى لحظة انكسار.. تمنيت لو كانت حاربت من أجل أن تفوز بقلبى مثلما تحملت أنا الألم لسنوات كى أحظى بحبها.. لا أعلم، لكنى أحسست برغبة فى التراجع والابتعاد عنها.

غريب حال الإنسان فعندما وجدت حب عمرى وضممته إلى صدرى أصابنى التردد.. أخذت فى هذا التفكير عدة أشهر لا أكلمها ولا أرسل لها وكلما اقتربت يدى من الهاتف لكى تتصل بها أقاوم بشدة وأتراجع.. لا أدرى لماذا، لم تحاول مروة أن تلح علىَّ ربما لو حاولت لكنت ضعفت أمامها.. عشت أياماً طويلة فى صراع بين كبريائى واشتياقى لها الذى يكاد أن يقتلنى.. وطوال هذه الأيام لم تفارق خيالى للحظة، بل ظللت أشعر بذلك الإحساس الذى شعرت به وأنا أضمها لصدرى لأول مرة.. بل المرة الوحيدة التى تعانقنا فيها.

وأخيرا اتخذت قرارى بالعودة وكلى شوق لأن أعتذر لها عن تفكيرى وابتعادى عنها، ولم أخبر أحداً بموعد عودتى، وفور وصولى إلى المطار اتصلت بها فردت علىَّ أختها وهى تعرفنى جيداً، وكانت المفاجأة بل الصاعقة حين أخبرتنى أن مروة لا تستطيع الرد علىَّ لأنها تستعد لحفل عقد قرانها مساء اليوم، وأخبرتنى عن مكان الحفل وألحت علىَّ فى الحضور!!

أخذت أنظر حولى وأنا فى حالة ذهول شديد، يا ربى .. ما هذا القدر؟!.. والله لو قصصت حكايتى على أى مخلوق لا يمكن أن يصدقنى..

وجدت دموعى تنهال على وجهى فى صمت وحياء شديدين.. وضربات قلبى أكاد أن أسمعها بأذنى، لكن للأسف أنا فقط من يسمعها، ولا تسمعها حبيبة عمرى.

فى النهاية قررت أن أظل على عهدى بأن أكون الصديق والسند لها، فذهبت إلى المسجد لحضور عقد قرانها.

لكن ما إن رأيت مروة بجوار رجل غيرى وما أن تلاقت عيناى بعينيها وجدت نظرة حائرة فى عينيها، وجاءت إلىَّ مسرعة وهى تمسك بيد عريسها، وقدمتنى له بأننى صديق العمر وأننى سأكون الشخص الذى ستشكوه لى إذا أغضبها يوماً.. والتفتت فى عجل وانصرفا بعيداً عنى وكأنها تخشى أن يبدو عليها أى مشاعر تجاهى..

ووجدت نفسى أغادر المكان فى هدوء وحجزت على أول طائرة وعدت إلى عملى.

ومرت حتى الآن خمس سنوات ولم أتزوج أو أفكر فى الارتباط بأى امرأة، ولم أعد، حتى، أشتاق إلى بلدى أو لقضاء أى عطلة.. يبدو أن مشاعرى قد توقفت عند تلك اللحظة.. عند نظرتنا الأخيرة.

أحياناً ما أجلس لأعاتب نفسى على صمتى أو ربما كبريائى الذى جعلنى أأبى على نفسى أن أعترف لها بحب أو سلبيتى التى لم تجعلنى أقبل يوماً على اجتذابها لى..

إنه الحب من طرف واحد.. كما كتبوا عنه فى قصص المحبين، لا يصيبك منه إلا العذاب واللهفة.. وأحياناً الندم.

فالنفس البشرية تذكرنى بالبحر بألوانه المختلفة ومهما غصت فيه لا تعرف مكنونه أبداً، تحب النظر إليه وهو هادئ وإذا ما ثار أطاح بكل شىء.. تسحبك رياحه ولا تعلم هل تسحبك لهلاكك أم لتريك ما لم تره عيناك من قبل.

لقد ضيعت حباً كنت أريده.. للتفكير فى ماض لا نعيش فيه ولمجرد إحساسى بأنى رجل ولأنى أردت أن أكون الأول فى حياتها.. لقد حاسبتها بينى وبين نفسى على ماضيها ولم أحاسب نفسى على صمتى ورغبتى فى أن تعرف هى وتعترف وتفعل ما أريد.

ربما لو كنا تزوجنا ما سارت الحياة بنا.. ورغم كل ذلك تبقى فى قلبى مشاعر لم أفصح لها عنها، وأحاسيس لا تموت، وحب سأظل ما حييت أشتاق إليه..

حب عشته وحدى ولم تقتسمه معى حبيبتى.. نعم كانت ولاتزال وستظل مروة حبيبتى.. ولكن!!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.