خرَّابة بيوت

من أصعب الأمور التعامل مع النفس البشرية، أو الحكم عليها، لأنك لا تستطيع أن تصل إلى ثوابت تحكم معاملتك معها، فهى كالوعاء المُصمَت لا تستطيع أن تدرك ما بداخله، يؤثر عليها الماضى ويترك غباره، وربما لا يدرك الإنسان وقتها أن ربَّ ضارة نافعة.

سأحكى لكم قصة صديقة لى، هى نموذج لأشخاص يعيشون معنا، وندَّعى أننا نعرفهم جيداً، لكن فى حقيقة الأمر لا يعلم ما فى قلوبهم إلا الله. اسمها \”هيام\” وهى صديقتى من أيام الجامعة، ورأيت كثيراً من مشاكلها مع والدها الذى كان يرفض أى شخص يتقدم طالباً يدها للزواج دون إبداء أى أسباب واضحة للرفض، كان ذلك يغضبها لمجرد أنها ترغب فى أن يكون الرفض نابعاً منها هى شخصياً لأنها هى من ستتزوج وليس والدها، وفى بعض الأوقات كانت تشارك والدها الرفض داخلياً ولكن كانت ساخطة على أسلوب أسرتها فى التعامل فيما يخص هذا الشأن. لكن زاد حزنها عندما تقدم لها شاب بعد تخرجها كانت ارتبطت به عاطفياً وأحبته، وحاولت محاولات كثيرة ولكن رُفض أيضاً رفضاً باتاً لاختلاف المستوى العائلى، وأصبحت قاعدة: من يوافق عليه الأب ترفضه هى، ومن توافق عليه ترفضه العائلة، إلى أن تقدم لها شخص لم تكن راغبة فيه ولا تحبه وصممت أن تتزوجه ووقفت أمام عائلتها وكأنها تريد الانتقام حتى من نفسها، ووافقت أسرتها وتم الزواج.

لحسن الحظ أن الرجل الذى تزوجته كان شخصاً طيب القلب ويحب أسرته ويريد أن يعيش ويكوّن أسرة ويكون لديه أولاد وعزوة، لكن عمله كان يتطلب وجوده خارج المنزل كثيراً. أنجبا ابنين وكانت حياتهما تسير فى إيقاعها الطبيعى، ولكن هيام كانت تعانى من فراغ كبير حتى وهو جانبها، فالشعور المسيطر عليها أنها تزوجته عنداً فى والدها، وأنها لم تختر بقلبها ولا عقلها، إنما اختارته لتثبت لنفسها أنها انتصرت عليهم فقط. مرت سنوات وأصبحت هيام فى أواخر الثلاثينيات ولكنها أصبحت غريبة الأطوار، فعندما ترى زوجين سعداء وبينهما قصة حب تشعر بغيرة حمقاء ورغبة جامحة فى أن تفسد علاقتهما.

وبدأت بأصدقائها فى العمل، فواحدة من زميلاتها متزوجة من زميل آخر، تزوجا بعد قصة حب وعلاقتهما جيدة جداً، وهيام تراهما فى العمل دائماً معاً، وفجأة ذهبت لصديقة مقربة من الزوجين وقالت لها إن زوج صديقتها يغازلها ويرسل لها رسائل حب ويطاردها رغم علمه أنها متزوجة!! فطلبت الصديقة منها أن ترى هذه الرسائل، فردت هيام أنها مسحتها، لأن زوجها لو رآها سيثور. احتارت الصديقة ولكنها وجدت أنه من الأمانة أن تخبر صديقتها، وانفجرت المشكلة وأقسم الزوج أنه لم يفعل، ووبخ هيام أمام الجميع، ولكن المشكلة هنا أننا نصدق سريعاً الخطأ ولا يتم محوه بسهولة، والملفت للانتباه نظرة البراءة واللا مبالاة التى تراها فى عين هيام.

أصبح هذا طبعها مع الجميع، فذات يوم خرجت وزوجها مع أصدقاء زوجها ومعهم زوجاتهم بحثت بينهم عن أكثر اثنين تبدو عليهما من معاملتهما أنهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، ولم تهدأ إلا بعد أن أشعلت النار بينهما، أخذت تدس فى أذن زوجته أنه يغازل الفتيات فى غيابها، وأن نظراته لجميع السيدات غير محترمة وملتوية، وما إن انتهى اللقاء حتى عرفت عن طريق زوجها أن هناك مشكلة كبيرة فى بيت صديقه، وأنه ذاهب إليه لأن زوجته طلبت الطلاق. لم يخطر أبداً فى عقل زوج هيام أن زوجته الفاضلة وراء كل هذا الخراب فى جميع بيوت الأصدقاء.

واستمرت هيام على حالها لا تفوتها فرصة إلى أن جاءت أخت زوجها من الخارج هى وعائلتها للإقامة الدائمة فى مصر بعد غياب عشر سنوات فى الخارج، وكانت سيدة متزنة وحياتها فى الخارج جعلت علاقتها بزوجها وأسرتها متماسكة. كانوا يقومون بزيارات عائلية لهم وتكون الأسرة كلها مجتمعة، ولم تعجب هيام بعلاقة أخت زوجها بزوجها فما هذا الحب والاحترام؟! وبدأت فى الحديث المباشر مع زوج الأخت والحكايات وتوطيد العلاقة وكان الرجل حسن النية، ثم بدأت فى الوقيعة بينه وبين زوجته وادعاء أنه يتصل بها فى أوقات غياب زوجها كثيراً وبلا مبرر، لم تدرك هيام ذكاء أخت زوجها التى فهمتها منذ اليوم الأول، ولم تتوقع تصرفها فقد أحضرت زوجها وذهبت إلى أخيها وواجهت هيام بكل ما فعلت أمام زوجها وزادت بأنها طلبت من أخيها عند زيارتها ألا يحضر هيام معه، وقالت \”دى خرّابة بيوت\”.

واليوم تقف هيام أمام نفسها تتذكر والدها الذى رحل وتركها وهى ناقمة ورافضة لكل شىء أحبته، وجعلها تتزوج \”زواج عناد\”، بلا اقتناع أو قبول، وزوجاً غائباً طوال الوقت لا يشعر بما فى داخلها، ولا ترى نفسها مخطئة ولا تدرك أنها مريضة بل ترى أن المجتمع كله مريض. أما زوجها فهو فى قمة الغضب ومصدوم ينظر إلى أولاده ولا يريد أن يهدم الأسرة ولكن كيف يعيش معها وهى تفكر وتتصرف هذه التصرفات؟! وفى نفس الوقت يشفق عليها لأنه تركها كثيراً وحيدة تواجه الحياة بمفردها.

يريد أن يبدأ فى تغييرها، ولكنه لا يعرف كيف ومن أين وهل سينجح فى ذلك أم لا؟ يشعر بجرح عميق لأنه عاش كل هذه الفترة معها معتقداً، أنها تحبه ولم يكن يعلم أنها تزوجته عناداً منذ البداية، يريد أن يكون الطبيب ولكنه عاجز عن معرفة الدواء.

أما النهاية…




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.