شوية فلفل

عجيب هو أمر الدنيا وحال البشر، فقد يضيق بك كل شىء وأنت لديك كل شىء، وحين تحس أنك ستفقده أو فقدته يجن جنونك وتسعى إليه ولكن هل تذكرت وقتها أنك تَجرح؟

أخى عادل تزوج من سماح منذ عشرين عاماً، وكان تعليمها متوسطاً وأهلها يتميزون بالطيبة، وهى أيضاً طيبة القلب وبشوشة الوجه، وقد اختارها بنفسه، مع أنه كان يستطيع أن يتزوج من أغنى وأفضل العائلات، ولكنه ارتاح لها جداً وأنجبا طفلين، هما الآن فى التعليم الثانوى.

سماح مثال للزوجة المتفانية فى بيتها، تحب أن تفعل كل شىء فى منزلها بيدها، تتبارى فى إرضاء عادل فترتب له ملابسه.. تطهو كل ما يحبه هو، لا تُفكر أن تجادله، كل كلامه مسلمٌ به، وكانت تقدر عمله جداً وتقدِّس مواعيد راحته، ولا تطلب كثيراً، ودائماً تقول: \”كفاية عليه طلبات البيت والأولاد\”.

بالنسبة لى كأخت زوج كنت أحبها جداً لموقفها معى أيام خطوبتى وزواجى، فقد كانت هى الجندى المجهول.. كانت تساعد أمى فى ترتيب المنزل وطهو الطعام وترتيب كل شىء، فى منزلى الجديد، حتى أنها يوم فرحى جاءت بعد أن انتهينا جميعاً، وأجَّلت نفسها بعدنا.. مواقفها وقفت بينى وبينها وانطبعت فى قلبى.. فكم كنت أحبها.

ومرت الأيام والسنوات حتى بلغ أخى عامه الـ50، وفجأة شعر بأنه يريد أن يتزوج مرة أخرى، والعجيب أنه قال لسماح، فسألته: \”هو أنا مقصَّرة فى حاجة؟!\” فقال لها \”دا شرع ربنا\” وأخذ يقنعها. عندما علمتُ ثرتُ عليه، كما تكلمت معها وقلت: \”ارفضى واطلبى الطلاق وأنا هساعدك فى كل حاجة\”، وهى تقول: \”دا جوزى.. مقدرش أقول له كده\”.

كنت أراها مظلومة، ماذا فعلتْ لكى يتزوج عليها؟! وظل أخى وراءها حتى وافقتْ ووجد العروس الجديدة، كانت قريبة أحد جيراننا وأرملة بلا أولاد، أصغر من سماح بعشر سنوات وجميلة، وكان شرطه على أهلها أن تراها سماح وتوافق عليها، ووافقت سماح وسط ذهول الجميع.

وبدأ عادل فى ترتيب نفسه حتى جاء يوم الدخلة، استيقظت سماح من النوم وقالت له: أنا قلبى مقبوض.

عادل: طبيعى.

سماح: أنا مش موافقة على جوازك.

عادل: جاية تقولى لى كده النهاردة؟! لا.. هتجوز غصب عنك.

سماح: طلقنى يا عادل دلوقتى، فاهم؟ طلقنى حالاً.

دفعها عادل من أمامه دفعة قوية وجهَّز نفسه وارتدى ملابسه وغادر المنزل، وانفجر البركان المستكين وتحولت سماح إلى شخص آخر، نعم.. لا تستهن بالمرأة إذا جرحتها، فالمرأة تخفى قوتها وراء ضعفها، فقد قررت سماح أن تكون لنفسها كل شىء. أحضرت النجار، وغيَّرت كالون المنزل وساعدها أولادها وقررت أنه لن يدخل هذا المنزل أبداً.. عادل غادر وهو مذهول، فلأول مرة تقف سماح أمامه، لأول مرة تطلب الطلاق، هل هى صادقة فى طلبها؟ وجد نفسه عاجزاً عن فقدانها وأحسَّ بأن خسارته لامرأة مثلها هى خسارة للحياة وما فيها، وأخذ يسأل ويرد على نفسه: هل أنا أخطأت؟ هل هى قصرت؟ لا.. لم تُقصِّر، ولكنى مللت الحياة، أريد أن أشعر بأنى ما زلت مرغوباً.. وهى لها الحق أن تستمر أو تنسحب وتعيش حياتها.. مع غيرى؟! لا وألف لا، فهى تحبنى أنا.

وفى لحظة حواره مع نفسه انهمرت دموعه وفعل ما لم يكن يحدث إلا نادراً، فقد اعتذر عن إكمال زواجه وانسحب وعاد يجرى إلى منزله ليجد الباب مغلقاً!!

ومكث يومين فى الشارع يحلف ليثبت لسماح أنه لم يتزوج، وعاد عادل ولكن لم تعد سماح. عادت امرأة أخرى غيرها، ربما لأنها أدركت أن الاستكانة مهانة وجريمة ضد النفس.. تغيَّرت لأنها تألمت جداً.

والغريب أن عادل كان ينفذ كل طلباتها، من أموال فى البنك، وخادمة فى المنزل، تغير ملابسها وتذهب للكوافير كل أسبوع.. تناقش وتجادل، واستطاعت أن تُخرِج المرأة التى كانت مستكينة داخلها، وهو سعيد. أضافت سماح للحياة \”شوية فلفل\” فاستعادته كاملاً.

أفكر فى موقف عادل.. فأجد أنه كان قد ملَّ الحياة معها.. جرِّب إذا جلستَ على نفس المقعد سنوات.. ستجد نفسك تريد أن تغيره ربما ارتحت أكثر.. فقد كانت سماح متوقفة عن كل شىء إلا حبه، نسيت كل شىء إلا هو، واهتمامها الزائد وخنوعها له جعلها تخسر اهتمامه بها، وملَّ منها وأراد الجديد.

الرجل يحب المرأة المرنة، قليل من النقاش.. قليل من الشجار لنتصالح.. فالشجار والنقاش هما فلفل الحياة، ولكن كثرته تؤدى إلى نفس الطريق.. الملل.

مطلوب شوية فلفل.. شوية مش كتير!!!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.