متسبنيش لنفسى أبدًا

من أكثر الأمور سوءًا أن تبرر لنفسك الخطأ، وتعيش فى دور الضحية، دون أن تحاول أن تفكر وترجع إلى الضمير، وغايتك تبرر وسيلتك، ولكن هل تعتقد أنه لو كانت غايتك غير حسنة، هل ستكون وسيلتك حسنة؟ لا أعتقد فعلى نياتكم ترزقون.

أنا سيدة فى الأربعينيات، متزوجة منذ أكثر من عشرين عاماً ولدىَّ ابنان، تزوجت زواج صالونات من رجل.. رأت أسرتى أنه زوج مناسب، ووافقت عليه على أمل أن يطرق الحب قلبى مع العِشرة والأيام.

اعتمد زواجنا أكثر على التوافق والتمثيل، وكان هدفنا مرور الأيام والسنوات، وكأننا كنا نقوم بمسرحية ناجحة أبطالها بارعون فى تمثيل أدوارهم. كنا نعيش حياتنا الطبيعية كأزواج، فليس أمامنا بديل آخر، ولكن بلا روح أو مشاعر أو أى اتصال أو تقارب حقيقى، كان الحب مفقوداً، ولكن الأمور تسير بالنسبة لى. كانت حياة عادية، أحياناً أكون فيها مجنونة وبائسة وكأنى فاقدة الهوية، وأنا أجد نفسى مثل دُمية فى حياة مثالية أمام الناس فقط وجدت نفسى فيها، كما لو كنت أعيش فى كهف وأخشى الخروج خوفاً من المجهول، ونظراً للعادات والتقاليد التى جعلتنا نُمنهج حياتنا على ما نحن فيه، على الرغم من أن الملل والشعور بالوحدة أحياناً، يجعلك تشعر كأنك ميت، ولكنك تعيش وتخشى أن تكسر الروتين.

أحاديثى أنا وزوجى كانت دائماً دردشة عادية جداً حول الأولاد واحتياجات المنزل، لم يكن رجلاً سيئاً ولكنى لم أكن أشعر معه أنى امرأة، ولم أكن أشعر بأى سعادة.. نعم لم أكن سعيدة معه. تحدثت معه كثيراً عن احتياجاتى ولماذا لا نكون أصدقاء، ولكنه لم يفهمنى، فطباعنا مختلفة، وهو له شخصية خاصة ولم نجد، رغم السنوات، طريقاً مشتركاً نستطيع أن نتقابل فيه. شاءت الظروف أن تجمعنى بصديق من وسطنا الاجتماعى وانجذبت إليه، وبادلنى نفس الشعور، وبالتدريج شعرت أنه توأم روحى فى وقت قصير، أحسست بالخوف وظننت أنها ربما كانت أزمة منتصف العمر، فآثرت أن أبتعد، وحاولت أن أنشغل ببيتى وبأولادى، لكنى كنت بمجرد أن أراه أعود وأشعر بالحياة. كان الشعور متبادلاً، واستطاع هو أن يقتنص الفرص ليكلمنى، واعترف لى بحبه وأنه يشعر بأنى غير سعيدة، وأنه على استعداد للزواج منى بمجرد طلاقى وإنهاء هذه الحياة الزوجية التى لا أجد فيها سعادتى، وأخبرنى أنه لم يتزوج حتى الآن مع أنه يكبرنى بعامين، لأنه يبحث عن توأم لروحه. مر عام وأنا أتحدث معه، ولكنى كنت حائرة فى أمرى من أجل أولادى، فأنا لا أريد أن أجرحهم أو أبتعد عنهم، ولكنى أريد فى الوقت نفسه أن أعيش مع إنسان يشاركنى كل أحاسيسى وليس مجرد ظل حائط. وقررت أن أحطم قيودى وأعيش الحياة التى أريدها لنفسى وأطلب الطلاق من زوجى، وفى نفس يوم اتخاذ القرار جاءنا نبأ وفاة عمه الذى كان شديد الارتباط به، وكان لا بد من سفرنا إلى الإسكندرية لحضور مراسم الدفن والعزاء. صمم زوجى على حضور الأولاد معنا وفى طريقنا للذهاب اصطدمت بنا عربة من الخلف بشكل بالغ، واصطدمت رأسى فى زجاج السيارة ونزل الأولاد ليروا ما حدث، ولكن زوجى انتظر معى، وتعجبت للانهيار الذى رأيته فى عينه، وبعد أن اطمأن علىَّ نزل من السيارة وتشاجر مع سائق العربة الأخرى التى اصطدمت بنا، وتعجبت مرة أخرى وأنا أرى ابنى الأكبر وهو يقف بهذه القوة لا يريد أن تلمس يد أحد ما جسد أبيه.. وكأنى أرى أولادى لأول مرة. وركبوا السيارة وذهبنا وعند الوصول ذهبنا إلى مدافن الأسرة ورأيت أولادى يُنحّون أباهم جانباً ويحملون النعش بدلاً منه مع الأهل والأقارب والاصدقاء وهو يربت على أكتافهم بفرحة الأب الذى اكتشف أن أبناءه كبروا. وانتهى اليوم وتأهبنا للعودة، وطلبت أن أجلس فى المقعد الخلفى بجوار واحد من الأولاد لأنى مرهقة وأريد أن أنام، ووضعت رأسى بجانبى وأغمضت عينى لأفكر فى الغد، وما ينتظرنى وأحلم بأيامى القادمة والسعادة التى تنتظرنى، ورأيت حياتى وحياة أولادى بعد الانفصال. رأيت رجلاً لم يتزوج حتى هذه السن رغم قدرته المالية لأنه شديد الغيرة، بخيل فى كل شىء حتى عواطفه التى يتصنعها ولم تمكث أكثر من شهر وأصبح بلا مشاعر، رأيته يعايرنى بأنى تركت زوجى وأولادى ولا يريدنى أن أعرفهم أو أتعامل معهم فهو لا يشعر بشعورى كأم، سهل عليه إهانتى لأنه يدرك أنى فى موقف ضعيف وأصبحت وحيدة. رأيت أولادى وهم يسيرون محنيى الرأس ففى مجتمعنا من السهل أن تسب شخصاً بأبيه، ولكن تُعتبر كارثة إن أتيت باسم أمه فكأنك ذبحته، رأيتهم وقد تحولوا لمرضى نفسيين يكرهون المرأة لأنهم يرون أنى خائنة فقد تركت أباهم من أجل رجل آخر، وأصبحوا يُعاملون جميع النساء بدونية ولا يرغبون فى الزواج ولا يريدون أن يرونى مطلقاً. رأيت زوجى حزيناً ولكنه لم يُنكّس رأسه، ويحاول أن يعيش ولكن فى قلبه جرح عميق ويشتكى مظلمته إلى الله، أراه يبتعد عن كل الأصدقاء حتى لا يسمع اسمى من بعيد أو قريب. فجأة وجدت صوت أولادى: \”وصلنا يا ماما\” ونزلوا ليأخذوا حقيبتنا لأعلى ووجدت زوجى يطلب منى أن أذهب إلى أى مستشفى للاطمئنان، ولكنى رفضت لأنى أشعر بتحسن وأخذ بيدى لإنزالى من السيارة وتمسكت بيده وكأنى أمسكها لأول مرة. لم أذق النوم طوال الليل وفى الصباح طلبت منه أن يأخذنى ونذهب لعمل عمرة، وتعجب لأنى لم أطلب ذلك من قبل، وألححت لأنى لا أستطيع أن أذهب بلا مِحرم، ودعوت الله من قلب نادم أشد الندم أن يُيسرها، ويسرها لنا واستطاع أن ينهى الإجراءات، وسافرنا لقضاء العمرة وشهر عسلنا الجديد. كم بكيت واستغفرت الله على تفكيرى فى رجل غير زوجى، فالخيانة ليست الخيانة الجسدية فقط بل الفكرية أيضاً وانتهزت وقوفه بجوارى أمام بيت الله وقلت له: \”متسبنيش لنفسى أبداً.. خليك جنبى.. اوعدنى\”. ربما شعر زوجى بأن هناك شيئاً بداخلى، ولكنى أحسست أن الله سترنى وجعلنى أعود إلى الطريق السليم، وعدت لحياتى ولنفسى ولأولادى. شعرت بالندم وهو إحساس قوى وقاسٍ ولكنى سأفتح صفحة جديدة.. فليس من العيب الخطأ، ولكن العيب استمرارى فى نفس الخطأ.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.