هل أنا خائنة؟!

أحياناً تختلط لدينا الأمور، فلا نرى الخيوط الرفيعة، التى تميز أو تفرق بين الأشياء.. وأحياناً ننساق خلف مشاعرنا أو رغباتنا فنكاد أن نضل الطريق.. ونفقد أشياء تستحق، فى مقابل أشياء ليست لها قيمة وقد لا تدوم.

ولكن تأتى مواقف صادمة تجعلنا نفيق من غفلتنا ونتساءل: أين نحن.. وهل فقدنا صوابنا ولو للحظة.. وكيف تكون العودة حين ننساق خلف نزواتنا أو رغباتنا أوحين نضل الطريق؟!

أنا سيدة فى الأربعينيات من العمر، زوجه لرجل أعمال ناجح وثرى، وأم لثلاثة أبناء.. تزوجت عن حب.. وأنجبنا ابنتين وابناً. عشنا معظم حياتنا وزوجى دائم السفر والتنقل من بلد الى بلد حسب طبيعة عمله..

كان لزوجى دائماً عالمه ولكنى كنت معظم الوقت منشغلة بتربية الأولاد ولكنهم لم يعودوا بحاجة إلىَّ كما كانوا من قبل.. أصبح لكل منهم أيضاً عالمه وأصدقاؤه..

صار الملل يقتلنى.. وصرت أشعر بوحدة شديدة، إلى أن قررت أن أكسر هذا الملل بدخولى إلى عالم التواصل الاجتماعى وطلبت من ابنى أن يفتح لى صفحة على الفيسبوك.. بدأت أتحسس طريقى إلى هذا العالم الافتراضى.. أصدقاء قدامى عدت أتواصل معهم وشخصيات معروفة.. مع الوقت أصبح الفيسبوك جزءاً أساسياً من برنامج حياتى اليومية.

إلى أن أضفت شخصاً اعتدت أن أقرأ له تدوينات جريئة وساخرة. شعرت أنه يتسم بخفة الظل.. كان يذكرنى بأحد أصدقاء زوجى القدامى الذين لم يعد يتواصل معهم، فى ظل زحام أعماله وانشغاله الدائم. تطورت العلاقة بيننا من مجرد التعليق على تدويناته إلى حوارات خاصة فى الكثير من أمور الحياة.. يوماً بعد يوم صار التحاور بيننا جزءاً أساسياً من برنامجى اليومى.. صرت أشعر بانجذاب شديد تجاهه.. لم أتخيل أن مشاعرى يمكن أن تتحرك يوماً تجاه رجل آخر.. ولم أتصور أن التحاور عبر جهاز الكمبيوتر يمكن أن يحرك بداخلى أشياءً ظلت ساكنة لسنوات.. أدمنت الحوار معه.. وتطور الحوار إلى حالة من الانجذاب والرغبة.. وأكاد أن أقول الإدمان.

كنت أتردد أحياناً.. أهرب ثم أعود.. وصار يطاردنى الشوق إليه.. عشت كل المشاعر التى يمكن أن تشعر بها امرأة قررت أنوثتها أن تكسر صمتها الطويل.. طوفان من المشاعر انفجر فجأة بشكل لم أكن أتخيّله.. نعم لم أتخيل يوماً أننى أملك كل هذه الأحاسيس.. إلى أن فاجأنى يوماً بدعوته لأن نلتقى.

لم أكن أعرف حتى ملامحه.. فصورته فى صفحته على الفيسبوك كانت لآل باتشينو فى مشهد من أفلامه، وأنا أضع صورة قطة وليس باسمى المتعارف عليه .

ترددت فى البداية أن أقبل دعوته.. ولكن مع إلحاحه المستمر وجدت نفسى منساقة إلى موعد على فنجان قهوه كما وعدنى.. وطلبت منه أن يرسل صورة له فكان رده أنه يريد أن نرى بعضنا لأول مرة وجهاً لوجه وأن قلبه يرانى.

خرجت أقود سيارتى وبداخلى شغف كبير ولهفة لأن أرى هذا الرجل الذى اكتشف الأنثى الكامنة بداخلى.. اتفقنا أن يرتدى قميصاً أزرق وأن أرتدى بلوزة حمراء لكى نتعرف على بَعضنا البعض.. وصلت إلى بهو الفندق الذى اتفقنا عليه. دخلت إلى الكافتيريا.. استطلعت المكان بنظرات سريعة عابرة بحثاً عن قميص أزرق اللون.. وكانت الصدمة الكبرى.. رأيته يجلس بعيداً.. يا للصدمة.. إنه \”ف. ع\”. أقرب الأصدقاء لقلب زوجى وأعز أصدقائه منذ الجامعة.. كان هو الشخص الوحيد الذى يرتدى قميصاً أزرق.. تراجعت للخلف والصدمة تكاد تقتلنى.. أسمع ضربات قلبى بأذنى..

خرجت من المكان مسرعة.. وركبت سيارتى وانطلقت بها كالمجنونة.. لم أعرف إلى أين أذهب.. عشرات الأسئلة.. انفجرت فى البكاء.. هل رآنى.. هل عرف من أنا.. هل كنت أنا المرأة الوحيدة فى المكان التى ترتدى بلوزة حمراء؟!

عدت إلى بيتى وأنا فى حالة هلع.. دخلت إلى غرفة نومى وخلعت البلوزة الحمراء وأخفيتها.. كمن يخفى دليل إدانته على ارتكاب جريمة حمقاء..

وانكفأت على وجهى فى سريرى ودموعى تنهمر بلا توقف.. استغرقت فى النوم ودموعى لا تزال تنهمر.. استيقظت فى منتصف الليل. فتحت جهاز الكمبيوتر وأغلقت صفحتى على الفيسبوك.. شعرت لوهلة أننى تخلصت من حجر ثقيل كان ساكناً فوق صدرى.. شعرت أننى طويت صفحته من حياتى. مرت أيام وأنا فى قلق وحيرة وأسأل نفسى لو لم يكن صديق زوجى ماذا كنت أنا فاعلة؟..

إلا أن سؤالاً واحداً لا يزال يتردد على لسانى فى صمت عشرات المرات كل يوم.. ولا يتوقف بداخلى.. هل أنا خائنة؟!

كيف نمحو خطايانا حتى بيننا وبين أنفسنا دون حتى أن يكتشفها الآخرون؟! لقد خلق الله التوبة كى نعود بها إليه حين ننزلق إلى خطأ أو نفقد صوابنا، والأهم من ذلك أنه أنعم على عباده بالستر.. يا ربى أسألك الستر.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.