بلد شهادات صحيح !

قصتى بدأت منذ نشأتى فى أسرة فقيرة، تتكون من أب وأم وأربع بنات، أنا أكبرهم، وكنا نعيش فى منزل صغير بحارة ضيّقة، نقتسم كل شىء حتى يكفينا، من أول الطعام حتى الغطاء والملابس، وكل شىء.

كنت أرى أمى ومحاولاتها المضنية للعيش بما يعطيه لها أبى، وفى وقت من الأوقات حاولت أن تعمل، لكن ظروف البيت وعددنا الكبير كان يحول دون ذلك، كنت أذهب إلى المدارس الحكومية أنا وأخوتى، إلى أن وصلت لأول المرحلة الإعدادية، واضطررت أن أعمل لأساعد أبى، وفى نفس الوقت أكمل تعليمى، كنت أذهب لمحل \”كوافير\” لأساعد فى تنظيفه، من أجل مبلغ زهيد، يساعد على أعباء الحياة، لكنى لم أكن قانعة بهذه الوظيفة المتواضعة، فكنت أنظر حولى لأتعلّم المهنة، فالظروف الصعبة تخلق عند الإنسان إرادة وطموحاً من أجل البقاء.

مرّت بى السنوات، وأنا أعمل وأتعلّم، حتى حصلت على ثانوية عامة بمجموع ضعيف، وبدأت أتقن العمل حتى أن السيدات كن يسألن عنى بالاسم، بعد أن كنت أستجديهم أن يوافقوا على أن أفعل لهم أى شىء، وكحال البشر، أحسّت صاحبة المكان أن مكانتى تكبر، فطردتنى، لم يكن صعباً أن أجد مكاناً آخر، لكن الصعوبة كانت فى نفوس البشر الذين تقابلهم أينما ذهبت!

فى المكان الجديد، جاء ورائى من أحبّوا عملى، من السيدات اللائى اعتدن أسلوبى فى المحل الذى تركته، لكن ذلك لم يرق للزملاء الجدد، وغلب عليهم شعور الغيرة والحقد، فاتفقوا على أن يتخلصوا منى بأى طريقة، ووصل بهم الأمر أن اتهمونى بسرقة أدوات ومواد تستخدم فى العمل، وللأسف صدّقت صاحبة العمل الاتهامات الباطلة، فأنا الوحيدة المستجدة بينهم، وطردتنى.

تكرّر الأمر معى فى أكثر من مكان، لكن باتهامات مختلفة، فلم أيأس، لأنى أثق فى نفسى ومهارتى وأمانتى، وفوق كل ذلك، أعلم أن عملى ونجاحى فى هذه السن المبكرة، سيظل يثير حفيظة زملائى تجاهى فى أى مكان أذهب إليه، فقررت أن يكون لى عملى الخاص، خصوصاً بعد وفاة والدى، وتضاعف المسؤولية الملقاة على كاهلى، تجاه أمى وأخواتى، مسؤولية وأمانة لا أملك التفريط فيها.

اتفقت مع صديقة لى، أن نتشارك فى مشروع صغير، فقد كنت قد ادخرت مبلغاً لا بأس به من المال، وهى كذلك، أخذنا قرضاً من البنك بضمانة، وبالفعل استأجرنا محلاً مناسباً، واشترينا بعض الأدوات، وبدأنا معتمدين على الله، آملين أن ينجح مشروعنا ونستطيع فى أقرب وقت سداد القرض المستحق علينا، واتفقنا أن تأخذ كل واحدة منا نصيباً حسب العمل الذى ستقوم به، ولم يكن ذنبى أن من عرفننى على مدى سنوات، تمسكن بى، وجئن إلىّ فى المحل الجديد، فكان ربحى أكثر من شريكتى، وهو ما لم يرق لها، فقررت فض الشراكة والانسحاب من المشروع، لأجد نفسى فى أكبر مأزق فى حياتى، والذى كدت أسجن بسببه.

لكن كما يوجد أهل الشر فى الحياة، يوجد أهل الخير، فضلاً عن ثقتى بالله التى لا تتزعزع أبداً وليس لها حدود، وبفضل من الله استطعت أن أخرج من هذا المأزق، وعدت أعمل من جديد، حتى أكوّن مبلغاً من المال، يساعدنى على بدء عملى الخاص من جديد، وفى سبيل ذلك، حرمت نفسى من كل شىء، إلى أن بدأت عملى الخاص مرة أخرى، لكن هذه المرة دون شريك، ولأول مرة فى حياتى، أصبح لدى محل كوافير باسمى.

فقد أستأجرت مكاناً مناسباً، وجهزته بالمعدات اللازمة، وبدأت ومعى ثلات سيدات وعاملة نظافة، اهتممت بشياكة المكان ونظافته، ونظافة العاملين معى ومظهرهم، ثم استعنت فيما بعد بثلاث من أخواتى البنات، كى يساعدننى فى الإدارة، ومنهم واحدة ملمة بطبيعة هذا العمل.

البداية كانت مرهقة جداً، فكنت أقف من العاشرة صباحاً حتى العاشرة مساءً، فلم يكن عددنا يكفى كم الزبائن اللائى يترددن علينا، غير أنى اعتدت العمل معهن بيدى.

ولكن يبدو أن قدرى فى الحياة أن أصطدم بما قد تسببه النفس البشرية من ألم، ولكن هذه المرة لم تأت من غرباء، بل جاءت ممن تربطنى بهن صلة الدم والرحم، وكم يكون ذلك مؤلماً ومحزناً للقلب، فلا عجب حينما يخونك الغرباء، ولكن عندما تكون الخيانة ممن هم من دمك، حينها تفوق المرارة أى وصف، ويصعب أن نجد لها مبرراً، والأغرب حين يختلق من خانك لنفسه ألف عذر وعذر، ليقنع نفسه بأنه فعل الصواب!

ففى يوم وجدت عجزاً كبيراً فى حساب المكان، لكن الظلم الذى تعرضت له، جعلنى لا أتعجل الحكم على الأشياء، فتمهّلت، وراقبت، وعرفت أن أختى هى التى أخذت وليس أحداً ممن يعمل معى!

عندما واجهتها، أنكرت، لكن عندما وجدت أنى على علم كافٍ بما أقول، كان ردّها أعجب \”ده حقّى\”! وأين حقى أنا عليها وأنا أكافح لأزوّج ثلاث بنات وأراعى أمى، وفاء لحقها علىّ؟! لم يكن أمامى إلا أن أغلق هذه الصفحة، وأن أحاول نسيانها، وألا أدخل أخوتى فى العمل مرة أخرى، حتى أحافظ على حبى لهم، وكى لا تفسد علاقتنا بسبب المال.

كنت قد تزوجت فى بداية حياتى، وأنجبت طفلتين، لكن لم تستقم حياتى معه، لأنه عندما فقد عمله، لم يبحث عن غيره، كان يجلس فى المنزل بانتظار \”الخزنة المتحركة\” ليأخذ منها تعب يوم كامل، ليذهب ويجلس مع أصدقائه على القهوة!

كان يرانى وأنا منهكة، ولا يكلّف نفسه عناء محاولة البحث عن عمل، وبعد عشر سنوات، طلبت منه الطلاق، لأنى أنضج منه، وأكثر تحملاً للمسؤولية، كان يرى زواجه منى تضحية، فأنا لم أكمل تعليمى، لكن هو خريج جامعة، ويعتبر عملى ككوافيرة، يقلل من شأنه، لكن عندما يأخذ مالى، ويلومنى على تحملى مسؤولية زواج أخواتى، وكذلك أمى، ويعتبر مالى حقاً مكتسباً له، فهذا لا يقلل منه!

اكتشفت أنى الرجل والمرأة فى نفس الوقت، فأنا أتحمّل المسؤولية كاملة، داخل وخارج المنزل، فحصلت على الطلاق منه غير نادمة، وقد تعودت أنى عندما أطوى صفحة، لا أعود إليها، وأكمل طريقى ومعى الله.

لم تمض سنوات طويلة، حتى قابلت رفيق العمر الذى أحبنى وأحببته، فتزوّجنا، وهو رجل كافح مثلى، ويفهم معنى الحياة.

تطوّر عملى جداً، وأصبح لدى عاملات أكثر، وصرت أهتم بكل جديد، وأتعلّم وأطور من عملى، وأصبحت معروفة لكثير من سيدات الوسط الراقى، اللائى يتعاملن معى كفنانة فى عملى، وكسيدة محترمة وأمينة ومتقنة، واليوم اشتريت مكانا ملكى أنا، وسأفتتح \”بيوتى سنتر\” من كدّى وتعب خمسة وعشرين عاماً، كل مليم فيه، دفعته من صحتى وسنين عمرى، وبالحلال.

فالتعليم مهم جدا، لكن الشهادات لا تعنى لى شيئاً، فطموحى كان فوق أى اعتبارات أو اعتقاد مجتمع ينظر للشهادة الجامعية على أنها مسألة حياة أو موت، وبالنسبة لبناتى، أدخلتهن أفضل وأغلى المدارس، لأنى أستطيع ذلك الآن، لكنى سأعلّمهن أن الحياة ليست شهادات، وسأجعلهن يعملن وهن صغار، ليعرفوا أن العمل واجب وشرف ومسؤولية.

فليس المهم نوع عملك، ما دمت تعمل بشرف، لا يهم نوع تعليمك، ما دمت تتحمل مسؤولياتك فى الحياة، ولو عرفت الأمل، لأدركت أنه ليس هناك مستحيل.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.