حاولت ومقدرتش!

انفصل أبى وأمى وأنا فى الرابعة من عمرى، ورغم صغر سنى وقتها، فإنى أتذكر بكاء أمى بسبب إهانة أبى لها وكيف كان يصل الأمر إلى حد أنه كان يضربها، حتى تركت أمى المنزل بعد أن زادت المشاكل بينهما وانتهى الأمر بالطلاق.

وبعد الطلاق انتقلنا أنا وأمى إلى بيت جدتى، كانت أمى وقتها لا تزال فى عز شبابها، وكانت سيدة جميلة وجذابة، وما إن ذهبنا إلى بيت جدتى حتى ظهر من جديد أحد أقارب أمى، رجل كان يحبها فى الماضى، وسبق أن تقدم لخطبتها، إلا أنها فضَّلت أبى عليه ربما لارتياحها له أو ربما لما اعتدنا أن نطلق عليه \”القسمة والنصيب\”، فبعد طلاقها من أبى عاد مجدداً ليجدد رغبته فى الزواج منها، لكنه اشترط عليها ألا أعيش معهما وأن أعيش مع جدتى!!

رفضت أمى عرضه للزواج وعندما تراجع عن رأيه لم تتراجع هى لأنها أحست أنه لا يريدنى وأنه أنانى الطبع وهى لا تريد أن تعيش تجربة زواج فاشلة مرة أخرى.

إلى أن تقدم لها رجل آخر وكان على النقيض من الأول، بل كان يملك قلباً ممتلئاً بالرحمة والشفقة، مما شجَّع أمى على قبول الارتباط به، وتزوجت أمى ذلك الرجل، وكنت وقتها قد بلغت الخامسة، ومنذ ذلك الحين لم أعرف لى أباً سوى زوج أمى، فقد انقطعت صلتى بوالدى وانقطعت علاقته بِنَا مادياً ومعنوياً، وكأنه قرر الاختفاء تماماً من الوجود أو على الأقل من حياتنا.

وبعد فترة سمعتْ أمى أنه تزوج وأنجب بنتين.. ومر الوقت، لكنه لم يطلب أن يرانى ولو لمرة واحدة، وعشت وأنا أعتبر أن زوج أمى هو أبى الحقيقى، فالأبوة ليست مجرد كلمة ينطق بها الرجل، لكنها فى الأساس إحساس وذكريات وقبل كل ذلك مسؤولية أمام الله وأنا لم تجمعنى بوالدى أىٌّ من هذه المعانى أو حتى أية لحظات يمكن أن تمثل لى رصيداً من الذكريات.

إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعوضنى عما حرمنى منه أبى فوجدت كل هذه المعانى عند زوج أمى الذى قام بتربيتى وأحسن معاملتى، وكنت أناديه دائما بكلمة \”بابا\”.

وبعد ثلاثة أعوام أنجبت أمى أخاً لى، وبدأت ألاحظ حرصاً شديداً من زوج أمى على الإفراط فى حسن معاملته لى، ربما لأنه كان حريصاً على أن يثبت لى أن وجود ابن له لن يقلل من مكانتى عنده، وكأنه يخشى من نفسه أن تظلمنى دون أن يدرى فلبَّى كل طلباتى، فضلاً عن الحب الأبوى الصادق الذى منحنى إياه.. ولا أخفى أننى استمتعت بهذا الوضع بل وكنت أتمادى أحياناً فى الدلال عليه، فبعد أن أطلب شيئاً ويشتريه أعود لأخبره بأنه لا يعجبنى وكان ذلك يغضب أمى فتتشاجر معى، لكنه كان يلبى طلباتى دون مناقشة ربما لأنه اعتبرنى فعلاً ابنته.

ومضت بنا الحياة والتحقت بالجامعة ووصلت لعام التخرج، وذات يوم عدت إلى المنزل لأجد أمى وزوجها فى حالة حزن شديد، وتعجبت لذلك فقد كان يوم عيد ميلادى وتعودت فى ذلك اليوم أن أعود لأجدهما قد أعدَّا لى هما وأخى احتفالاً جميلاً وهدية رقيقة، إلا أننى هذا اليوم وجدت حزناً واضحاً فى عيونهما، حزناً أفزعنى فسألت أمى ماذا حدث؟ فإذا بها تبلغنى أن أبى قد اتصل بها وأخبرها بأنه فقد ابنته الكبيرة من زوجته الثانية فى حادث أليم.. مفاجأة القدر أن يحدث ذلك فى يوم عيد ميلادى، وكأنه انتقام من الله لأنه تركنى كل هذه السنين دون حتى أن يسأل عنى، وأخبرتنى أمى أنه استجداها أن يرانى!!

ووجدت نفسى أسأل أمى: \”أبى من الذى تتحدثين عنه؟! أنا لا أعرف هذا الرجل!! أنا لا أعرف إلا أباً واحداً هو زوجك\”، وهكذا رفضت بشدة طلبه، وأخبرتهما بأنى لا أريد أن أراه فأنا فعلاً لا أعرفه.. ولم يثننى عن موقفى إلا دموع لمحتها فى عين أبى الروحى وهو يقنعنى بأنه والدى مهما حدث وأنه لا بد من أن أستجيب لطلبه وأن أذهب إليه، ومع إلحاحهما رضخت وذهبت وقابلت أبى، وما أن رآنى حتى انهار وبكى بكاء حاراً، وحاول أن يضمنى إليه، لكنى ابتعدت عنه.. فقد أحسست بغربة شديدة فى حضنه، وحاول معى المستحيل.. وراح يسألنى بإلحاح ما الذى يمكن أن يفعله لكى يرضينى.

والواقع أننى لم أكن متأكدة ما إذا كان بكاؤه هذا ندماً وشعوراً بالذنب تجاهى أم حزناً على فقدانه لابنته، التى ظن أن الله قد عوضه بها عنى فتناسانى وأهملنى، فى كلتا الحالتين كان إلحاحه الشديد تعبيراً عن رغبته فى أن يعوضنى عما افتقدته لديه، ومع إلحاحه الشديد طلبت منه أن يشترى لى سيارة جديدة فوافق على الفور، ورغم محاولاته المستمرة للاتصال بى ورغبته فى أن أتواصل معه ومع ابنته التى هى أخت لى، إلا أننى لم أكن أستجيب لاتصالاتهما، فلم تكن لدىَّ أية مشاعر تجاههما.

ومرت السنوات وانشغلت عنهما إلى أن تمت خطبتى ولم أخبره حتى بذلك، فقد كان زوج أمى فى عقيدتى هو والدى الحقيقى وكان يكفينى أن أجده إلى جوارى فى مناسبة كهذه، والحقيقة أنه لم يبخل علىَّ بأى شىء حتى بعد ظهور أبى.. وذات يوم علمت من أمى أن أبى مريض وأنه قد تم نقله إلى المستشفى وكالعادة بدأت المحاولات والمداولات من أجل أن أذهب لأراه، فوجدتنى مضطرة للاستجابة لإلحاح أمى وزوجها، فذهبت إلى المستشفى لأجده فى حالة صعبة جداً فقد أصيب بورم خبيث وفى مرحلة متأخرة.. هذا اللقاء كان مختلفاً عن لقاءاتى السابقة به، فربما أكون قد رأيته حزيناً أو نادماً، إلا أننى هذه المرة رأيت فى عينيه انكساراً واستعطافاً، وإذا به يقول لى: \”سامحينى يا بنتى\” فوجدتنى أجيب دون حتى أن أفكر أو أتمهل لثانية واحدة \”لأ مش هسامحك\” وتركته مسرعة وغادرت المكان.

وفى الطريق وجدت دموعى تنهال على وجنتى، لم يكن لدىَّ تفسير واضح لتلك الدموع.. هل هى حزن عليه أم حزن على نفسى.. أم على الجرح الغائر الذى تسبب فيه هذا الرجل فى طفولتى ولم يلتئم رغم كل هذه السنين، رغم كل محاولاته أن يصلح ما انكسر.

عدت إلى المنزل وحكيت لأمى وزوجها ما حدث، ولأول مرة يعنفنى زوجها بغضب شديد، ويصفنى بـ\”غليظة القلب\”، وأمى كانت تبكى وقالت لى إن الله قد سامحه لأنه قد استغفر عما فعل فَكَيْفَ لى ألا أسامحه؟!

إياكم أن تسألونى لماذا فعلت ذلك، وكيف استطعت أن أظل على موقفى قرابة الأشهر الستة، وهى فترة مرضه، فعلاً لم أشعر بداخلى بأننى قادرة على أن أسامحه، ولم يستعطفنى مرضه الشديد أو اقترابه من الموت، ولم ينطقها لسانى حتى من وراء قلبى لكى أرضيه قبل أن يرحل عن الحياة.

ومات أبى.. ووُلد بداخلى شعور لا أفهمه هل أنا حزينة عليه، أم نادمة لأَنِّى لم أرضه بتسامحى قبل أن يموت؟! وعلمت بعد ذلك أنه اختصنى بأكثر من نصيبى الشرعى فى الميراث ليعوضنى ما افتقدته فى حياته.

ومضت بِنَا الحياة وظلت أختى من أبى تحاول التودد إلىَّ، لكننى كنت أرفض دائماَ، وواصلت حياتى إلى أن تزوجت.. وبعد فترة من زواجى رحل زوج أمى، أو أبى الذى ربانى، فكانت صدمتى بلا حدود وحزنى عليه فاق أى وصف.. وها هى تمضى بِنَا الحياة ولا تتوقف عند فراق الأحبة.

لم يستمر زواجى أكثر من سنة وانفصلت بعد أن أنجبت ابنى وكانت لى أسبابى التى قد لا تُقنع كثيراً من الناس، لكنى كنت غير سعيدة معه، أو هكذا كنت أظن، وتزوجت بعد انفصالى بعامين برجل آخر، ولكنى لم أمكث فى زواجى الثانى لأكثر من عامين، ثم انفصلت مرة أخرى.

فقررت أن أركز فى ذاتى وابنى وعملى، إلا أننى ظللت بين الحين والآخر كلما اختليت بنفسى أتساءل.. لماذا لم أنجح فى ارتباطى بأى شخص؟

هل لأَنِّى إنسانة غير قادرة على التسامح؟ أم لأن ما عانيته من صدمة نكران أبى لى فى طفولتى أحدث شرخاً لم يلتئم مع السنين؟

فهناك أمور كان من الممكن أن تمر والحياة تسير، لكنْ فى داخلى جرح يفوق قدرتى على النسيان.. قد أبدو للبعض أنانية الطبع.. فالطفل الذى فى أعماقى لم يفارقنى رغم أننى حينما أتكلم تجد شخصاً آخر يتحكم فيه كبرياء عجيب، لا يرضى بسهولة ولا يسامح من أخطأ.. عناد حتى فى إظهار الحزن.

نعم! ولأول مرة أقولها \”لقد حزنت على أبى وتمنيت لو قلت له إننى سامحته، لكنى أبيت كما أبيت بعد ذلك أن أتسامح مع زوجى وأقبل زلاته الصغيرة، ففشلت حياتى\”، لا أستطيع تغيير نفسى، لكنى أتمنى أن يكون ابنى غيرى.

نعم .. لا يزال بأعماقى طفل.. لكنه طفل جريح.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.