كلمة دائما ما تنطق (لو راجل طلقنى)

سارت بى الحياة طبيعية وحصلت على الثانوية العامة والتحقت بكلية التجارة. كنت نشيطة ومفعمة بالحيوية ولى أصدقاء أذهب معهم إلى الرحلات ونخرج.. كانت حياتى سعيدة خالية من المشاكل.

تخرجت من الجامعة، وبدأت رحلة الزواج، تقدم لى شاب وتمت خطبتنا، ولكنها لم تستمر طويلاً لوجود اختلاف كبير بيننا، إلى أن التقيت بأحد الشباب الذين يعملون مع والدى، كان من عائلة طيبة، وسيم، ذكى، مهذب، وبدأ بيننا إعجاب متبادل، وتقدم لخطبتى ولم تطل فترة خطوبتنا أكثر من عام، حتى تزوجنا، إلا أن أسرته كانت تنظر إلىَّ على أننى أخذت منهم ابنهم، فقد كان زوجى باراً بأهله، سخياً فى تلبية احتياجاتهم، فاعتقدوا أن زواجى به سيمنعه من الاستمرار فى كرمه معهم، ولكن ذلك لم يحدث، وظل يعطى لوالدته ما تحتاج إليه.

وبعد أن أنجبت ابنى الأول، جاءت فرصة عمل لزوجى فى نيويورك وسافر قبلى ليرتب أمور معيشتنا على أن ألحق به أنا وابنى فيما بعد.

وبالفعل سافرنا له أنا وابنى بعد فترة قصيرة، إلا أننى وجدت بعض المشاكل فى انتظارى هناك، وكان أولها إلحاحه الشديد على أن أعمل رغم ظروف حملى فى طفلنا الثانى، حيث كان يتعلل بارتفاع نفقات المعيشة على الرغم من أنه كان يحقق دخلاً كبيراً ويستطيع أن يجعلنا نعيش عيشة ميسورة.

ومع إلحاحه المستمر حصلت على عمل، وبدأت فى المساهمة فى نفقات معيشتنا، وظل هو على عهده بمعاونة أسرته مادياً ولم أفكر يوماً فى أن أحاول منعه عن مساعدة والدته وأخوته مادياً، وبعد إنجابى لابنى الثانى بفترة عدت للعمل وألحقت أولادى بإحدى دور الحضانة.

كانت حياتنا مستقرة، وكنا نذهب فى العطلات الأسبوعية إلى أماكن جديدة، ونستمتع قدر ما نستطيع بأوقاتنا معاً.

ولكنَّ شيئاً ما بدأ يؤرقنى، فقد لاحظت أنه أصبح يعتمد اعتماداً شبه كلى على دخلى فى تغطية نفقات معيشتنا، بينما ظل يستقطع جزءاً بسيطاً من دخله ليرسله لأسرته ويدَّخر المبلغ الباقى، بدأت أشعر أن حب المال يستهويه، وأن الشعور بالأنانية يغلب على تصرفاته، فصار يؤثر نفسه علىَّ وحتى على ولديه، ويستبيح مالى الذى اكتسبه من دخلى بدون مبرر وكأنه حق مكتسب.

وما إن أبديت اعتراضى حتى انفجر فى وجهى وثار غاضباً، ولكنى تحملت غضبه وطلبت منه أن يقوم بواجبه تجاهى وتجاه الأولاد، فهو رب الأسرة وعائلها، وبعد نقاش طويل اقتنع بأن يتحمل فقط نصف تكاليف معيشتنا وأن أتحمل أنا الباقى.

أحسست بشعور الظلم والانكسار يمتزج فى أعماقى بالإحساس بالغربة ووحشتها.. وكأننى كنت فى غفلة وأفقت منها على وجه آخر قبيح لشريك حياتى كشفت عنه الغربة.

إلى أن وقعت أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وصرنا كائنات مكروهة فى المجتمع الأمريكى، وصارت هناك بعض المناوشات تواجهنا بين الحين والآخر، فقرر زوجى العودة إلى مصر حتى تستقر الأمور، ومع عودتنا بدأ فى حياتنا نوع جديد من المشاكل مع أفراد أسرته الذين رأوْا أننى أنا وأولادى السبب فى رجوعه، وأنه لو كان بمفرده لما اضطر للعودة، فكم كانوا مستفيدين من وجوده بالخارج وَمِمَّا يرسله لهم من مال، وما يطلبونه من مشتريات، وأخذوا يلحون عليه أن يعود ويفتعلون معى مشكلات بسبب وبدون سبب، وظلوا يمارسون ضغوطاً علينا حتى ضاق بى الحال وطلبت منه الطلاق أكثر من مرة، وفى إحدى المرات قلت له \”لو راجل طلقنى\”، فرمى علىَّ يمين الطلاق.

لم أكن بينى وبين نفسى أعنيها، وربما كانت عندى ثقة أنه لن يفعلها، وهذا خطأ تقع فيه كثير من النساء مثلى، وعندما يحدث تصاب بالذهول، فلا رهان على رجل وقت الغضب.

وبدأت المشاكل والقضايا بيننا لأحصل على حقى وحق أولادى، وكنت وقتها أقيم فى بيت أسرتى، وإذا به يغلق شقتنا وبها كل أوراقى وجواز سفرى وجزء من ملابسى أنا والأولاد، ويسافر دون أن أحصل منه على حق أو باطل.

جن جنونى، وكنت لا أعرف كيف أتصرف، ولم أجد ملاذاً إلا أن أعود إلى صديقاتى القديمات، ومنهن صديقة كانت تعانى أيضاً فى حياتها الزوجية، وأخذن ينصحننى أن أسافر إليه وأصلح ما فسد.. واقتنعت بوجهة نظرهن ولكن منعنى أن جواز سفرى كان داخل المنزل المغلق، بالإضافة إلى أوراق كثيرة تلزمنى.. أشارت علىَّ صديقة أن أستأجر رجلين يقومان بكسر باب الشقة ويحضران ما أريد، وأخذت تُزيِّن لى الفكرة وتسهلها علىَّ، ومع إحساسى بالضعف والغضب والانكسار تمكن الشيطان من السيطرة على تفكيرى، وتملكتنى الرغبة فى الانتقام لكرامتى وعمرى الذى أفنيته مع رجل لم يقدر عطائى، تملكنى شعور جارف بأن أنتصر لنفسى من أهل زوجى الذين أفسدوا حياتى فوافقت واتفقت ودفعت لهما المقابل.

وعندما ذهبا لكسر باب الشقة، أحسَّت بهم جارة لنا وهى سيدة عجوز وفى غاية الطيبة والشهامة، فخرجت لترى ماذا يحدث، وحاولت أن تمنعهما أو تستغيث فضرباها فسقطت قتيلة، وفرَّا هاربيْن.

لم يكن من الصعب على الشرطة أن تربط بينى وبين الجريمة، فاستدعتنى الشرطة، وفوجئت بما آلت إليه الأمور، وما أن علمت بقتل جارتنا حتى انهرت، فلم يكن هذا مرادى، فكل ما كنت أريده هو حفنة أوراق..

تملكنى إحساس رهيب بالذنب والحزن عليها، فماذا فعلت هذه السيدة الطيبة لكى تموت بهذه الطريقة؟ وحاولت التخلص من هذا الذنب الكبير فقمت بإرشاد الشرطة إلى الرجلين فتم القبض عليهما، ووجدت نفسى فى دوامة كبيرة وأولها انقطاع أهلى عنى، فما إن عرفوا ما حدث حتى أخذوا أولادى لأهل والدهم وقام أهل زوجى بإخطاره بما حدث، ليعود ويرى مصير أولاده، وتبرأوا منى جميعاً حتى أخوتى الرجال انقطعوا عنى تماماً، وحاولت الاتصال بهم فلم يرد أحد علىَّ، ولم أجد أحداً بجوارى وأنا لا أملك أى سبيل للخروج من هذا النفق المظلم، الذى وجدت نفسى فيه بين ليلة وضحاها.

وبعد فترة، جاءت لى إحدى صديقاتى وأخبرتنى بأن زوجى أخذ أولادى وسافر بهم، ومرت الأيام والشهور بين تحقيقات ومحاكمات لأجد نفسى سجينة بتهمة التحريض على القتل، جريمة تصل عقوبتها للسجن المؤبد!!

وها أنا أكتب إليكم بعد مرور 15 سنة داخل السجن.. سنوات لا أعرف كيف مرت فى حياتى، أسترجع أول يوم لى فى السجن، وأنا ألبس الملابس البيضاء التى تذكرنى بالكفن حين نموت، أنظر إلى الجدران رمادية اللون التى تشعرك بالاختناق، وعيون تنظر إلىَّ باحتقار، تريد أن تعرف من أكون وماذا فعلت؟ وما الذى أودى بى إلى هذا المصير المؤلم..

عشت أياماً وليالى وأنا أشعر أننى خرجت من دائرة الحياة، عرفت كيف يموت الإنسان حياً.. وحشة ليالى السجن مؤلمة، أصوات أنات الضمير تؤرقنى فى الليل، وحين يأتى النهار لا أرى نور الشمس.. صرت على هامش الحياة.. أعيش فى صمت قاتل.. لا أرغب فى أن أحاكى أحداً.. رغم كل محاولات من حولى من السجينات فى أن يجذبننى إلى عالمهن، إلا أننى كنت أرفض ذلك من أعماقى، ففى قرارة نفسى أشعر أننى لا يمكن أن أنتمى إلى هذا العالم البغيض، عالم ما خلف القضبان.. نعم السجن هو آخر نقطة على حافة الحياة.. هو المساحة الرمادية بين الحياة والموت.. يا إلهى كيف آلَ مصيرى إلى ما أنا فيه، وكيف تمكن منى الشيطان للحظة ليدفع بى إلى هذا المصير البغيض؟!..

الصمت يقتلنى، والتفكير يكاد يدفع بى إلى الجنون.. لقد فقدت صوابى للحظة ظللت أدفع ثمنها من عمرى لسنوات وسنوات..

أنظر فى المرآة فلا أعرف ملامحى، فقد أصابنى الهزال لامتناعى عن الطعام إلا ما يكاد أن أعيش به، وأصابتنى أمراض مختلفة..

ولكن حزنى كان أكثر قسوة من الإحساس بالمرض، خصوصاً حينما كان يجىء موعد الزيارات ولا يأتى أحد لزيارتى.. كل أسبوع كان يراودنى الأمل أن أحداً من أقاربى أو أصدقائى قد يتذكرنى أو يحن أى قلب تجاهى، أو يفكر أحد أن يطمئن علىَّ.. وأكثر ما كان يؤلمنى أننى حتى لم أعد أعرف أى شىء عن أولادى.

كل يوم يبدأ بأمل ورجاء بأن أحداً قد يتذكرنى، وينقضى اليوم وينتهى معه الأمل.. حتى مات الأمل بداخلى وأصبح رماداً..

كم أحن إلى حضن أمى وحنان أبى، حتى وأنا لا أعرف إن كانا لا يزالان على قيد الحياة أم فارقاها.

الأيام فى السجن ثقيلة ولياليه موحشة قاسية.. ولكنى ما زلت فى عرف الزمن فى عداد الأحياء.

ومع انقطاع أى زيارات عنى، أدرك مأمور السجن قدر محنتى ومعاناتى، فاقترح علىَّ أن ألازم إحدى السجينات وهى سيدة مسنة وتحتاج لمن يساعدها وأكون كابنة لها. قبلت ولازمت هذه السيدة وتعلمت منها الكثير.. وأول شىء تعلمته منها هو القرب من الله، فلم أكن قريبة من الله قبل، فأصبحت أقرأ القرآن وأصلى بانتظام، وكانت تشرح لى كثيراً من آياته، واعتبرت هذا فضلاً عظيماً.

كما علمتنى شغل الإبرة وظلت خلفى حتى أتقنته وأصبحت ماهرة، أصنع مفارش ولوحات جميلة ندخل بها فى معارض ينظمها السجن، وأكسب منها بعض الأموال البسيطة فأصبح لى دخل صغير.

أمى الجديدة كانت مثقفة جداً، فبالرغم من أننى خريجة كلية التجارة، إلا أننى لم أقرأ كثيراً طوال حياتى، فجعلتنى أقرأ وكانت تناقشنى فى كل شىء، حتى السياسة.. مع الوقت اندمجت مع رفيقات السجن فقد صارت بيننا ذكريات وروايات، ومن يأتى ويخرج نودعه بالدموع ونفرح له، وعوضنى وجود هذه السيدة عن غياب أهلى، فأصبحت هى الأم والسند.. ولكن الأيام تجرى وستخرج هى قبلى، وبقدر ما كنت سعيدة لأجلها إلا أننى كنت أقلق من مصيرى بعد خروجها، فأنا لا أعرف كيف سأحتمل فراقها.

كأى سجين، يتملكنى الحنين للعودة إلى الحياة.. ولكنى لا أريد الخروج إلى الدنيا مرة أخرى.. فالخروج من السجن هو عودة إلى المجهول..

فقد تبرأ منى أهلى وقاطعونى ولم يغفروا لى.. فماذا أنتظر من كل الناس؟

أدرك أننى أدفع ثمن خطأ ارتكبته.. ثمن فادح أدفعه من سنوات عمرى وحريتى..

ومع استغراقى فى التوبة والاستغفار لخالقى، صرت أشعر أن الله قد يغفر لى ذنبى، ولكن هل البشر سيغفرون؟ من قال إنى أريد الخروج من السجن؟ ولماذا أخرج؟ ولمن؟

أخرج لأعيش فى العراء؟

لقد صرت امرأة بلا مأوى، بلا أهل، بلا أصدقاء.. ولا أعرف أى مصير ينتظرنى حين أخرج من السجن.. وهل سيعطف الناس علىَّ أم سيعاملوننى بجفاء وخوف وريبة، فبالرغم من أننى دفعت ثمن خطأى من عمرى ومن صحتى وأسرتى، إلا أن العقاب لا ينتهى، فالله وحده هو الذى يملك الغفران.

السجن أصبح بالنسبة لى هو البيت والستر، ومن دونه يكون الموت هو المصير الذى ينتظرنى…

رغم كل هذه الحيرة، ورغم كل هذا الألم، ورغم العجز والمرض والوهن.. لايزال شىء واحد باق فى أعماقى هو ثقتى فى رحمة خالقى.. إنه هو.. وهو وحده من يملك الرحمة بالعباد.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.