لو مكانك مش هخونك

عند صفحة الذكريات، يتوقف الزمن، وتختفى ملامح الأشياء، ليصبح كل ما حولنا مجرد طيف خافت، يتسلل إلى وجداننا، بنعومة المشاعر.

عندها ينساب الحنين بين أصابع يدينا، ونقول يا ليتنا تمسكنا به بقوة، لكى لا نكتشف أنه مجرد سراب، فالحب ليس دائماً علاقة مشروعة، والإخلاص لا يتم باتفاق مسبق أو تعاقد، وإنما يتم من تلقاء نفسه، حينما يحس كل من الحبيبين بأنه يمتلئ بالآخر.

‎لماذا لا أقول أنا وأنساها؟ ولكن إن نسيتها من سيرعاها؟ ‎لا تتسرعوا فى الحكم، فربما لو بُدّلت الأماكن لالتمست لى الأعذار.

‎نشأت فى أسرة تحترم التعليم، وتعطى له قدراً كبيراً من الأهمية، وكان لى أخوان أكبر منى. كنت أخرج معهما وأشاركهما اهتماماتهما، وأجلس مع أصدقائهما، وهما يجلسان مع أصدقائى، لذلك لم يكن عندى أى مشكلات من الاختلاط، على العكس، أصبحت معاملاتى سوية ومشاعرى متزنة حتى فى أثناء مرحلة المراهقة، فلم يكن الجنس الآخر بالنسبة لى مجهولاً أريد اكتشافه أو ممنوعاً أرغب فيه. وعندما التحقت بالجامعة كنت آخذ المحاضرات مأخذ الجد، وأذهب إلى مكتبة الجامعة لأطِّلع على المراجع، وفى نفس الوقت أستمتع بوقتى مع الأصدقاء، نخرج ونكتشف الحياة ونستمتع برحلات إلى أماكن مختلفة، ‎وكنت أهتم بمظهرى، فقد ربانا أبى على أن أماكن التعليم لها احترامها حتى فى المظهر.

‎عندما أحببت \”على\”، كنت فى السنة النهائية من دراستى الجامعية، وكان هو حبى الأول، فقد رأيت فيه اتزان العقل وقوة الشخصية. كان حبه يتسم بالهدوء وعدم التسرع أو الاندفاع، كان يكبرنى بسبع سنوات، تعرفت عليه فى خطوبة إحدى صديقاتى بالجامعة. تعددت لقاءاتنا بعد ذلك، أما هو فقد كان شديد الإعجاب باهتمامى بدراستى وطموحى، يرانى مختلفة فى كل شىء، وبعد نجاحى وتخرجى، تقدم لخطبتى وبالفعل تمت. أثناء فترة الخطوبة التحقت بالعمل فى شركة كبيرة، وكان يعلم مدى ارتباطى بعملى، ورغبتى فى استكمال دراستى. كان يتفهم ذلك جيدًا.

‎بعد مرور عام ونصف العام، تزوجنا. ‎كان زواجى منه مرحلة جديدة فى الحياة، دنيا جميلة انتقلت إليها، إذ لم تكن مجرد علاقة رجل وامرأة فحسب، أو إنجاب أطفالٍ وقيودًا، بل بدايةٌ لحياة جديدة لنا سويًا، نستمتع بكل تفاصيلها، فأنا أكره القيود وأول شىء طلبته منه أن نؤجل الإنجاب برهة من الوقت ليس لكره الأطفال، لكن لأننى لم أكن مستعدة نفسيا لذلك، فأنا لا أريد أن أنجب وأترك أطفالى مع والدتى أو والدته، والاسم أنى أصبحت أمًا.

على، كان يحب الأطفال جداً، ولا يرغب فى التأجيل، لكننا تناقشنا واقتنع بوجهة نظرى، فكل ما أردته أن ننظم حياتنا، خصوصًا أنى كنت حديثة التعيين فى عملى، ولا بد من أن أثبت ذاتى فأنا أحب عملى وهو يعلم ذلك جيدا فضلاً عن رغبتى فى أن أستمتع بحياتى معه كحبيبين دون قيود، ويوم أن نقرر الإنجاب ومنّ علينا الله بالأطفال سأكون أسعد الناس لأنهم منه.

مر عام على زواجنا، وعلاقتى به تزداد عمقاً وحباً وعشقاً يوماً بعد يوم، وحياتنا هادئة ساكنة، إلى أن جاءتنى فرصة عمل فى الخارج لمدة عام واحد، وكان ذلك سيفيدنى ويفيد دراستى. تكلمت مع على بصراحة وأخبرته برغبتى فى السفر لأنه سيكون رفعة لى فى عملى، وتناقشت مع أسرتى. الوحيدة التى رفضت كانت أمى، وكان رفضها من أجل زوجى، فأخبرتها باتفاقى معه على أنى سأنزل لرؤيته مرة وهو يأتى مرة بالتبادل، وما أسرع الأيام، وأنها فرصة مناسبة الآن، وربما تكون مستحيلة بعد ذلك خصوصًا إذا أنجبت، وشدد أبى على موافقة زوجى أولاً وأن تكون موافقة نابعة من داخله، وليس لإرضائى، وبالفعل وافق زوجى وأتممت أوراقى وسافرت، وأول شىء فعلته وأنا فى الطائرة قبل أن أغلق هاتفى، أرسلت له رسالة بها كلمة واحدة: \”أحبك\”.

بدأت دراستى وعملى وكنت أتحدث معه كل يوم، ومع مرور شهر على غيابى، بدأت الاتصالات تتباعد بالتدريج، لكنه كان يخبرنى أيضاً أن لديه ضغط فى العمل بسبب الارتباط بمشروع جديد، كنت أفتقده جداً، وبعد مرور الشهر الثانى صممت على العودة لمدة خمسة أيام لأراه، وكان لقاؤنا رائعًا، لم أضيع لحظة من غيره، ولا أكذب حين أقول إن دهراً مضى على بعض الأزواج دون أن يعيشا تلك اللحظات الجميلة التى قضيناها سوياً، وشكرته كثيراً لأنه يساعدنى فى تحقيق حلمى، وعندما انتهت إجازتى وسافرت اتفقنا أن يأتى هو بعد شهرين حتى لا يطول ابتعادنا.

بدأت أشعر ببُعد مكالماته لى، وأنى لو لم أتصل من الممكن أن نظل أسبوعا كاملاً دون أى اتصال. عاتبته أكثر من مرة وهو يتحجج بعمله وتمر الأيام سريعاً، مضى شهران على زيارتى له، وطلبت منه أن يأتى لكنه طلب التأجيل لظروف عمله، فطلبت منه أن آتى أنا ولكنه تحجج بأنه لن يجد وقتاً، وإلا كان جاء هو. صدقته وأخبرته بأنى مقدرة ظروف عمله، وبالفعل لم أغضب، لكن الأيام مضت ومر على وجودى هناك عشرة أشهر، ولم أره إلا تلك المرة، وفِى كل فرصة كنت أنوى النزول أو ينوى هو، يتأجل الأمر بسبب عمله، وعندما تكلمت معه قال: \”خلاص هانت إنتى قربتى تخلصى وتنزلى على طول\”!

يوم أن قال تلك الكلمات، شعرت بشعور حاولت أن أكذبه بداخلى، حاولت أن أتكلم معه أكثر، لكنى لم أستطع أن أجزم بشىء. عدت بعد مرور العام، وبداخلى كل الحب والاحترام تجاه زوج تعامل معى ومع أحلامى على أنها حق من حقوقى كإنسان، وكلى شوق أن ألبى له كل ما يطلب منى، فما فعله معى يستحق كل الحب. لم تمر أيام كثيرة حتى بدأت أشعر أنه ليس زوجى الذى تركته، فقد أصبح قليل الكلام، فكره دائماً مشغول وخروجه أصبح أكثر من العادة، وعندما أتكلم ينظر لى نظرة أفهم معناها، والمعنى أنه قد تحمل ظروفى فليس لى حق الشكوى، كأنه ديْنٌ علىَّ لا بد من أن أرده، ومع الوقت اكتشفت وجود سيدة أخرى فى حياته، وأن علاقتهم معروفة وواضحة للجميع وهذه السيدة هى صديقة لى!!

‎يوم أن واجهت على، بما عرفته لم أكن فى حالة ضعف ولا انهيار. لم أسافر للنزهة ولم أسافر دون اتفاق معه أو دون رضاه، وماذا لو بدلنا الوضع وكان هو من طلب منى أن يسافر لتكملة دراسة تفيد عمله؟ كان الجميع سيقف بجواره، وكان الجميع سيقولون لا بد أن تقفى بجوار زوجك وتساعديه فى تحقيق أحلامه، وكنت سأنتظره وأقابله مقابلة الفاتحين، كنت سأصونه وأحافظ عليه وعلى بيته لأن الغياب ليس مبرراً للخيانة. كان مبرره أنه شعر بالوحدة، وكان ضعيفًا، وللأسف لم أتقبل مبرره لأنى أكره الضعفاء. كان مبرره أنى أهتم بعملى على حسابه كرجل، لكن أين كان هذا المنطق حين تناقشت معه قبل قبول السفر؟ لماذا لم يرفض؟ طلب منى أن أغفر وتستمر حياتنا، لكن سبقته صديقتى التى احتوته فى غيابى بإطلاعى على عقد زواج عرفى، وكان جوابه حين واجهته، \”تاريخيًا\” بالنسبة لى: \”أنا ما بعملش حاجة حرام\”!!

لم أندم على سفرى، لأنى لو لم أفعل لجلست طول عمرى نادمة على التفريط فى حلم من أحلامى. كنت سأعيش لمجرد الحياة دون طعم وربما تحولت للزواج التقليدى \”إحنا عايشين علشان العيال\”! أنا أريد أن أكون زوجة لرجل يحبنى فى غيابى ووجودى. أريد أن أقول له كل يوم أحبك لأنى أحبه بالفعل وليس من أجل أى شىء. أريد أن أحقق أحلامى معه وبه. أريد أن أكون أنا، فأنا لست جماداً، لى طموح وأحلام ولى حياة واحدة لن تتكرر، وربما علينا فى بعض الأوقات أن ندفع ثمن أحلامنا، وإنى على يقين بأن ذلك كان من الممكن أن يحدث دون سفرى، فلو كنت أنجبت وانشغلت عنه لرعاية الأولاد كانت ستكون حجته فى البحث عن أخرى لانشغالى عنه!!‎

افترقنا. ولا أنكر أننا نتغير بعد الضربات الموجعة، فقد أصبحت أقل كلاماً، وأقل شعوراً، لكنى أصبحت أيضا أكثر حكمة وتعقلاً وقوة فى التعامل مع الحياة ومع الآخرين. ‎بعض الخيبات لا تؤلمك، فسقطات الحياة لا تعنى نهايتها، وإنما هى دروس تهدينا إلى الطريق السليم.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.