معجزة بكل المقاييس

أنا من أسرة مقتدرة ميسورة الحال، أعيش مع أمى وأبى وأختى الأصغر فى بيت جميل.. أمى سيدة رقيقة حنون، أنعم الله عليها بجمال يخطف العين والقلب، كما أنعم عليها برجاحة  العقل والحكمة التى يندر أن تجد مثلها.

أما عن أبى فقد كان نِعم الأب فلم يحرمنا يوماً من شىء، وكان يحب أمى حباً يفوق الوصف، لكنه كان شديد الغضب، سريع الانفعال وله علاقات نسائية متعددة.

كانت أمى قادرة على اكتشاف ذلك بفطرتها وغريزتها كامرأة، مما تسبب فى الكثير من الخلافات بينهما، وعندما كانت تختلف معه كان يُخرِج كل غضبه فىَّ أنا وأختى، ويصل الأمر إلى أصدقائنا إن تواجدوا فى منزلنا وقت غضبه، لكن سرعان ما يهدأ إذا ما عاودت أمى الحديث إليه.

أمى لم تكن ميسورة الحال مثل أبى، وجدتى لأمى كانت على قيد الحياة، وكانت دائماً تقول لأمى إن والدى يحبها ولا بدَّ من التحمل من أجلى أنا وأختى، وإن الزمن كفيل بأن يصلح حاله.. أتذكر يوماً تشاجر فيه أمى وأبى وكان غضبها شديداً فحزمت حقيبتها ومجوهراتها وأخذتنا وذهبنا إلى بيت جدتى، وعزمت أن تبيع كل مجوهراتها لتعيش بعيداً عنه، فما كان من أبى إلا أن أرسل رجالاً من مصنعه، ودخلوا علينا فى بيت جدتى وجمعوا كل مجوهرات أمى وأعادوها إلى أبى!! لم يكن أبى يريد المجوهرات، لكن كان يريد الضغط على أمى لتعود إليه، فهو ليس بحاجة لمال، لكن كان فى احتياج لها هى، وبالفعل عادت أمى مقهورة حتى تستمر عجلة الحياة، ولكى لا تُسبب أى ضرر لجدتى.

ومضت بنا الحياة وفى كل شجار بين أبى وأمى نحاول التهدئة بينهما ويقوم بتعنيفنا وتضطر أمى للمثول والطاعة خوفاً علينا.

عندما دخلت الجامعة تعرفت على أحمد وأحببته وأحبنى، واتفقنا على أن يأتى لأسرتى بعد عام، واستمرت علاقتى به فى منتهى الاحترام، إلى أن رآنى أبى معه وكان يوماً عصيباً علينا، فقد أخذنى إلى البيت وضربنى، وحينها غضبت أمى وذهبت إلى بيت جدتى لأنها كانت ترى أن الأمور لا تُعالج بهذه الطريقة، فأخذنى أبى إلى بيت عمتى وحبسنى هناك وهدد أمى بحرمانى من التعليم!! واضطُّرت أمى للعودة خوفاً على مستقبلى، وبمجرد أن عادت هدأت أعصابه وأعادنى إلى الجامعة مرة أخرى، وهددنى إن نما إلى علمه أنى ما زلت على علاقة مع أحمد فلن يسامحنى مرة أخرى.

كانت العلاقة بينى وبين أحمد علاقة حب واضحة. كان من عائلة أصيلة، فلم يكن يلهو معى فأرسل لى مع صديقة أنه سيأتى لأبى بعد فترة يكون قد هدأ فيها، وأنه على عهده معى، وبالفعل مرت سنة على هذه الواقعة حتى وصلت لمرحلة البكالوريوس، وجاء أحمد إلى أبى وطلب يدى وتمت خطبتنا وتزوجنا بعد تخرجى مباشرة.

استمر أبى بنفس الطريقة التى رأيته عليها منذ ولادتى، علاقات نسائية وعصبية لا تتغير، وكان حبه لأمى من نوع غريب فهو لا يطيق فراقها يوماً، ويتشاجر معها ويغضب، حتى أن زوجى كان يقول لى دائماً وهو يضحك \”ومن الحب ما قتل\”.. وذات يوم تركت أمى المنزل وذهبت إلى بيت جدتى بسبب شجار عنيف بينها وبين أبى، بعد أن عرفت بعلاقة نسائية جديدة له عن طريق صديقة لها، وكالعادة جُنَّ جنون أبى، واستنجدت بى أختى فذهبت رغم تعبى لأنى كنت \”حامل\” فى شهرى الثالث، وما أن رآنى أنا وزوجى حتى زادت ثورته لدرجة أنه قام بطرد زوجى وحبسنى فى غرفة نومه، التى كان بها حمام لحسن الحظ، ومنع زوجى من دخول العمارة كلها!! ظللت حبيسة الغرفة والخادمة تُدخل لى الطعام وتخرج، قبل أن يُغلق علىَّ الباب مرة أخرى، كأنه لا يعرف أنى حامل.

ذهب زوجى لأمى يستعطفها من أجلى، وقال لها إنه لا يريد أن يفعل مع أبى أى شىء يُحاسب نفسه عليه بعد ذلك، لأنه فى الأول والآخر أبى، إلى أن استجابت أمى وعادت إلى المنزل مقهورة من أجلى، وكالعادة بمجرد عودتها هدأ أبى وقام بفك أسرى.

كان أبى يملك النقيضين فى شخصيته، فرغم عنفه وغضبه الشديد أحياناً كان فى وقت هدوئه مُحباً عطوفاً، لكن لا يحُب إظهار ذلك. المال بالنسبة له كان مجرد وسيلة للحياة، وهكذا كان كريماً لا يبخل علينا بشىء.. كان يثق فى أمى ثقة كبيرة حتى فى ماله، وكان يحبها أنيقة وجميلة دائماً، حتى أننا كنا نتعجب كيف يحبها كل هذا الحب ولا يطيق فراقها ولديه علاقات بنساء أخريات، معادلة عجزت عن حلها طوال حياتى غير أن جدتى كانت تقول: \”دا طبع\”.

مرت الأيام بنا إلى أن مرض أبى فجأة مرضاً شديداً وتم نقله إلى المستشفى واكتشفنا أنه مريض \”بفيروس سى\” وأن الكبد فى حالة سيئة للغاية، وجلست أمى معه تخدمه وهى حزينة عليه حزن السنين، لا أنكر أنى كنت حزينة أيضاً، لكنى كنت أكثر تماسكاً من أمى التى كانت تعاتبنا إذا مر يوم واحد دون أن نذهب لنراه، وكانت تقول دائماً لنا: \”طلباته أوامر\”.

توقفت كثيراً أمام موقف أمى، فهناك فرق بين أن تخدم إنساناً لأنه \”واجب\” أو \”شفقة\” أو \”حب\”.. العين فضاحة بما فى القلوب فكانت عين أمى تقول: \”يا رب اشفيه\” كانت تقول أيضاً: \”أحبك رغم كل شىء\” تجرى وراء الأطباء وتسألهم عن إمكانية سفره للعلاج فى الخارج، وإن كلفنا ذلك كل ما لدينا. الأهم أن يشفى أبى. عامان مرَّا وأمى لا تكل ولا تمل من خدمته، وتدعو له بالشفاء، وكلما اقترب موعد الفراق.. أجد أبى متعلقاً بيديها لا يتركها وعينه عليها تحتضنها ولا يتكلم.

دفعنى اليوم للكتابة مرور عام على رحيله، وأتذكر موقف أمى خلال هذا العام، فمنذ اليوم الأول لوفاته وهى تبكى عليه وحزينة حزناً عميقاً ولا تقول عليه إلا \”حبيب عمرى كله\”.. جمعتنا بعد وفاته وأوصتنا بزيارته المستمرة وضرورة الدعاء له وإخراج صدقة جارية على روحه كما تفعل هى.. تقول لنا إن التسامح يخلق فينا المعجزات ومهما فعل أو أخطأ يظل هو بعد الله السبب فى كل نعمة نعيش فيها وكفى أنه والدنا لكى نحبه.

ربما لو كنت مكان أمى ما كنت لأتحمل ما تحملته، لكنى تعلمت منها درس عمرى الذى حُفِر فى قلبى ووجدانى، وهو أن تسامحك مع غيرك يعطيك فرصة التسامح مع نفسك والتصالح معها وأن الحب ليس له شكل واحد بل يختلف من فرد لآخر، وليس له منطق نسير عليه فهو مجنون، فما ترضاه أنت قد لا يناسبنى والعكس صحيح، ولكن فى النهاية يظل الحب نعمة إذا ما امتلأ به قلبك زاده نوراً ورقة ورحمة ويبقى التسامح هو معجزة القلوب.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.