‎امرأة بين رجلين!

قد يطول الحزن أو يزداد الشقاء، لكن لا بد من حينٍ ينجلى فيه هذا الحزن ويزول ذاك الشقاء، وأحيانا ما يحدث ذلك بعد أن نكون قد فقدنا قدرتنا على أن نسترد ابتسامتنا، أو نستعيد قدرتنا على استكمال مسيرة الحياة.

‎التحدى فى حياتنا أن نغلب ذلك الإحساس باليأس وأن نظل مقبلين على الحياة مهما طالت أو اشتدت قسوة الزمان. ‎بدأت حياتى فى مرحلة مبكرة من العمر بزواجٍ عائلى تقليدى لا يمت للمشاعر بصلة، غير أن أسرتى كانت تراه مناسباً، وبالنسبة لى لم تكن لدى قصة حب لأعيشَها أو ارتباط يشغلنى فلم أمانع. تزوجت فور تخرجى من الجامعة، ومنذ الأيام الأولى بعد زواجى أحسست بعدم الارتياح، لكننى بررت لنفسى بأن الحال ستتبدل مع الوقت، وسينشأ بيننا تفاهم وألفة وحب، لكن حدث عكس ذلك، فبدلا من أن تسود بيننا المودة تدهورت العلاقة لدرجة أننى لم أطق الحياة معه، ووقع الطلاق بيننا بعد عام واحد من الزواج، وأحمد الله على أننى لم أنجب منه أطفالا، لكى لا يتحملوا فشلنا.

‎عندما يقع الطلاق تجد كل من حولك يسأل عن الأسباب ويريد أن يعرف كل شىء وأى شىء، ولكن عندما يحدث بعد عام واحد يصبح الفضول أكبر والتخيلات أقوى، وتُنسج قصصٌ من الخيال، بلا واقع تستند إليه أو مبررات يقبلها العقل والمنطق، وتجد أمك تبرر بما تشاء من أجل أن تضع ابنتها فى موقف برىء براءة الذئب من دم ابن يعقوب! ‎وهكذا يجتهد الجميع ويدلى كلٌ بدلوه دون أن يدرك أحدٌ كم المعاناة والضغط النفسى الذى تعيشه صاحبة الحال، وهى أنا.

‎لم أكمل الثالثة والعشرين من عمرى، ووجدت نفسى مطلقةً، ولكى أحاول الخروج من أزمتى، استطعت الحصول على عمل بعد طلاقى بستة أشهر، وعلى الرغم من أن العمل لا يرقى لمستوى طموحى أو لما كنت أتمناه، فقد رضيت به لمجرد أن أخرج من جدران البيت، وأبتعد عن حالة الحزن التى كانت تسود منزلنا، وفى أول يوم على نزولى العمل، لم تنس أمى أن تخبرنى بأننى صرت مطلقة، ولا بد من الحذر فى التعامل مع الآخرين وخصوصاً مع الرجال، وكأنى أعود للحياة وأنا أحمل سُبَّةً فوق جبينى بسبب أننى لم أوفق فى زواجى، وكانوا فى المنزل يتعاملون معى أيضاً بحذر، فغير مسموح لى بالتأخر عن ساعة معينة، والخروج بحساب، وأسئلة كثيرة عمن سأخرج معهم وموعد عودتى، وكل هذا خوفاً من مجتمع ما زال رغم ادعائه التقدم، لا يرحم.

كل يوم أضع رأسى فوق وسادتى لأرى أمامى كل ذكريات عام مضى وأنا فى عصمة رجل حاولت أن أقترب منه ولكنه لم يعطنى فرصة واحدة لكى أحبه وأستمر معه ولا أشعر نحوه إلا بالكراهية. ليست لدىَّ رغبة لمجرد الحديث عنه ولا عن أسباب طلاقنا، لكنّ هناك شيئًا فى داخلى لا ينسى.

‎قررت أن أضع همى كله فى عملى، ومع الوقت أصبحت لى صداقات، وكنت أحياناً أخرج فى رحلات واندمجت مع أصدقائى وزملاء العمل، ولكنى كنت بعيدة عن فكرة الزواج ولا أرغب فيه، حتى مرضت هدى زميلتى فى العمل وذهبت لزيارتها فى بيتها أنا وبعض الزملاء، وهناك التقيت شقيقها \”أحمد\”، ومن الوهلة الأولى شعرت بالارتياح تجاهه ورغبة فى الحديث معه، ووجدتنى أستشعر طاقة إيجابية فى بيتهم، كما شعرت بألفة وارتياح تجاه والدته، فهى من السيدات اللواتى ترتاح لمجرد الكلام معهن.

انتهت الزيارة ولم يكن فى عقلى أنى قد أراه مرة أخرى، ولكن بعد هذا اللقاء بشهرين قابلته مرة أخرى مع هدى ومجموعة الأصدقاء، وكنا فى رحلة للفيوم، ولم يترك فرصة واحدة للكلام معى، وشعرت أن الارتياح متبادل بيننا، ولكنى كنت دائماً حريصة على ألا ألفت نظر أحد إلى ما أشعر به كأنى أقترف ذنبا، فقد خرجت من تجربة زواجى مفتقدة الثقة فى ذاتى وفى الآخرين، والغريب أنى قررت ألا أقبل أى دعوة يكون هو فيها. وبالفعل اختلقت الحجج لأصدقائى لعدم الخروج معهم حتى لا أراه، ولكن فى داخلى كنت أتمنى أن تأتى أى صدفة للقائه!

‎إذا أردت أن تفعل شيئًا فأنت فاعله، فقد نجح أحمد أن يخلق فرصة لقائنا، واعتذر عن عدم حضور مناسبة كنا مجتمعين فيها، وعندما عرفت أنه لن يأتى ذهبت، لكنه حضر بعد الموعد المحدد بساعة، وعندما رأيته شعرت بسعادة بالغة. هذه المرة لم أستطع الهروب منه فقد طلب منى مباشرة أن يقابلنى على انفراد لأنه يشعر من ناحيتى بارتياح ويريد أن نتحدث سويًا.

أحمد كما رأيته، كان هادئ الطبع، شديد الثقة فى نفسه بلا غرور، ينظر إلى عينيك وهو يتكلم كأنه يريد فهمك منهما أو يبحث فيهما عما يريد أن يعرفه، كثير القراءة ما جعل عقله يفوق سنه، ناجحًا فى عمله ولا يقبل أنصاف الحلول، ويكبرنى بثمانى سنوات.

‎أول لقاء بيننا كان سؤاله الأول عن أسباب طلاقى، وقد صدمنى أن يكون هذا سواله الأول، فلم يكن بيننا ما يسمح بأن أقص عليه أسبابًا لا أحب أن أخوض فيها، فهى تخصنى وحدى، وكان جوابه شافيًا لسؤاله، إذ أخبرنى بأنه يريد الارتباط بى، لكنى وجدت نفسى أقول: \”أنا بَكره أتكلم فى الموضوع ده.. وبَكره الإنسان اللى كنت متجوزاه\”، لكنه ألح علىَّ لأتكلم، فأخبرته أننا كنا غير متوافقين فى كل شىء، حتى طريقة تناوله الطعام كنت أكرهها، تعامله معى على أننى أنا الأدنى دائما حتى فى معاشرتنا كأزواج، وقد فهمت من معاشرته ومعاشرة عائلته السبب فى ذلك، فبالرغم من التقدم الذى ندعيه، ما زالت بعض العائلات تتعامل مع الرجل على أن له الأولوية فى كل شىء حتى الطعام، فهو من يأكل الأفضل والباقى للجوارى اللاتى يعِشنَ معه!! حاولت كثيراً أن أغيره وأتغير من أجله ولكنه كان جهدًا من طرف واحد، فهو يرى بعينه فقط، حتى أصبحت أشعر بأنى سجينة نفسى، حاولت التأقلم لأقيم نفسى، واستخدمت كل طاقتى الجسدية والنفسية والعقلية والعصبية إلا أنه نجح فى وقت قصير أن يستنزفها، فهربت بنفسى قبل أن تكون معى ضحية أخرى لا ذنب لها!

‎استمع لى أحمد بكل اهتمام، ولم يقاطعنى إلا بسؤال واحد: \”تحبى تشربى حاجة؟\” فأكملت حديثى وبعد أن نفدت قدرتى على الكلام فاجأنى برده:

إنتى عارفة إن الكره مشاعر؟

‎أنا: أيوه طبعاً بس مشاعر عن مشاعر تفرق.

‎أحمد: طبعاً، بس إنتى تعرفى إنك بتخدى وقت طويل جداً بتفكرى فيه؟

‎أنا: لا طبعاً ولا بييجى فى دماغى أنا اطّلقت برغبتى.

‎أحمد: عارف ومقدر، بس أنا ليه نظرية، إن الكره مشاعر تعادل الحب، علشان كدا أكتر اتنين عقلك الباطن بيفكر فيهم اللى بتحبيهم واللى بتكرهيهم

‎أنا: يعنى إيه مش فهماك؟

‎أحمد: علشان ترتبطى وتبدأى حياة جديدة لازم تتخلصى من التفكير فيه، وإلا أنا وأنتى هندفع تمن تجربة قديمة، وأى خلاف بينّا هيظهر شبح تجربتك القديمة فى خيالك حتى لو متكلمتيش لا إرادياً دا هيحصل!!

‎نظرت له بتعجب: أنا لست آلة لكى أتحكم فى مشاعرى فأضغط على زر يمحو الماضى، ربما لو كانت حياتى الجديدة سوية، لكانت كفيلة بأن أنسى الماضى، لكنه فهم ما يدور بداخلى فكان يرى أننا لا ننسى، ولكنه يريدنى أن أتخلص من مشاعر الكراهية، وعندما لا يصبح فى ذاكرتى شىء مما مضى، فلا أكرهه ولا أحبه أكون بذلك قد تخطيت الأزمة، فأبدأ حياتى بلا مشاعر إلا له وحده، نظرية غريبة، فرأيه أننى لست مهيأة لحياة جديدة بعد، ولا بد أن أشفى تماماً من تجربتى السابقة حتى لا تؤثر علينا فى المستقبل وأنه سيساعدنى وسيشعر بى حين أشفى!

‎ظننت أنه يتهرب، ولكن بطريقة لبقة لم أعاود الاتصال به، ولكنه ظل يكلمنى ويطلب لقائى، ولا ينكر حبه وانجذابه لى، ويقول دائماً إن الحب رزق من عند الله يرزق به من يشاء.

علمنى والدى ألا أقترب كثيراً ممن أحترمهم كى لا أفقد هذا الاحترام وتبقى صورتهم نقية، فرؤية الأشياء عن بعد أجمل من اكتشاف حقيقتها! فهناك أشخاص يمرون فى حياتنا فيتركون أثر جراح وهم كُثُر، وأشخاص يمرون فيتركون نسائم عطر وهم قلة، وآخرون يمرون عليك فيصنعون معك المعجزة ويجعلون منك شخصاً آخر، وهؤلاء لا تراهم إلا إذا كنت محظوظاً وربما لمرة واحدة فى حياتك وقد لا تتكرر، أحمد كان عندى هذا الشخص الذى لن يتكرر.

‎فحين انفردت بنفسى وجدت فعلاً أنى استنفد كثيراً من طاقتى فى مشاعر الكراهية التى خرجت بها من تجربتى الأولى، بدأت للدنيا وكأنى وُلدت من جديد، وأن انفصالى ليس آخر الكون، وحتى لو لم أرتبط بأحمد فأنا إنسانة لا بد أن أحيا بقلبٍ لا تشوبه إلا المشاعر الإيجابية، وجدت أن الكراهية زادتنى كآبة ورغبة فى الانعزال عن الحياة والناس.

‎واليوم وبعد مرور ثلاثة أشهر على لقائى الأول بأحمد، صرتُ إنسانة أخرى، أعرف قيمة ذاتى، وقلبى مفتوحًا للحياة، فالحب طاقة إذا ما امتلكتها أحيتك من جديد، ومشاعر إذا ما امتلأ بها قلبك أقبلت على الحياة، وشعرت بالرضا والسعادة.. ‎حقاً إن الله محبة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.